والحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخّص في أمرين:
أولهما: إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلّصوا من ضعفهم القديم؛ ذلك الضعف الذي مكّن قريشا في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم، واغتصاب دورهم وأموالهم، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضالة شأنها، فإن المتربّصين بالإسلام في المدينة كثر، ولن يصدّهم عن النيل منه إلّا الخوف واحده؛ وهذا تفسير قوله تعالى:
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠] .
والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة، أمّا الأوّلون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون- لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها.
وقد كان من الجائز أن تتكرّر حادثة (كرز بن جابر) السابقة، ويتجرّأ البدو على تهديد المدينة حينا بعد حين؛ غير أنّ هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.
والأمر الاخر: - في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها؛ فقد حاربت الإسلام، ولا تزال تحاربه، ونكّلت بالمسلمين في مكة، ثم ظلت ماضية في غيّها، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارا في بقعة أخرى من الأرض، فأحبّ الرسول ﷺ أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة، وأنه قد مضى إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص.
والمستشرقون الأوروبيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنها ضرب من قطع الطريق، وهذه النظرة صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق، ويتيح للهوى أن يتكلّم ويحكم كيف يشاء.
[ ٢٢٢ ]
وقد ذكّرني هذا الاستشراق المغرض بما حكوه عند قمع الإنكليز لثورة الأهلين في إفريقية الوسطى- مستعمرة كينية- وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه.
قال جندي إنكليزي لاخر- يصف هؤلاء الإفريقيين-:
إنهم وحوش، تصوّر أنّ أحدهم عضّني وأنا أقتله!!!.
إن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنعي على الإسلام وأهله.