ويلاحظ أنّ النبي ﵊ كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسّة، ولم يتوسّع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.
وقد استأجر دليلا خبيرا بطريق الصحراء؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية واحدها، فإذا اكتملت في أحد ولو مشركا- استخدمه وانتفع بموهبته.
ومع هذه المرونة في وضع الخطة، فإنّ النبيّ ﵊ أصرّ أن يدفع ثمن راحلته، وأبى أن يتطوّع أبو بكر به، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه، وتستبعد النيابة فيه.
واتّفق الرسول ﵊ مع أبي بكر على تفاصيل الخروج، وتخيّروا الغار الذي يأوون إليه، تخيّروه جنوبا في اتجاه اليمن، لتضليل المطاردين، وحدّدوا الأشخاص الذين يتّصلون بهم في أثناء اللّجأ إليه، ومهمة كل شخص.
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق (٢/ ٢- ٣ من ابن هشام) وفيه شيخه الذي لم يسم، لكن قد سماه ابن جرير: ٢/ ١٠٣، في رواية عن ابن إسحاق، فقال: «حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، قال: حدثني عروة بن الزبير به» . ومحمد بن عبد الرحمن هذا في عداد المجهولين، أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل: ٣/ ٢/ ٣١٧) . وذكر أنه روى عن جماعة وعنه ابن إسحاق. ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. لكنه لم ينفرد بالحديث فقد أخرجه ابن جرير: ٢/ ١٠١- ١٠٣، من طريق هشام بن عروة عن عروة به نحوه. وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري وأحمد من طريق الزهري قال: عروة به، مع شيء من الاختصار.
[ ١٧٣ ]
ثم عاد الرسول ﵊ إلى بيته، فوجد قريشا بدأت تضرب الحصار حوله، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد ﵊، وتفريق دمه بين القبائل!!.
وأوعز الرسول ﵊ إلى علي بن أبي طالب ﵁ في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه، وأن يتسجّى به على سريره، وفي هجعة من الليل، وغفلة من الحرس، نسل الرسول ﵊ من بيته إلى دار أبي بكر، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع..