إنّ أسفار الصحراء توهي العمالقة الامنين؛ فكيف بركب مهدر الدم، مستباح الحق؟!.
ما يحسّ هذه المتاعب إلا من صلي نارها، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوما، فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا، فعدنا مغمضين، نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه.
وعند ما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ، تخال العالم كلّه مهامه مغبّرة الأرجاء، داكنة الأرض والسماء.
وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظلّ في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب، تحرّكت المطايا اللاغبة، تغالب الجفاف والكرى.
وللعرب طاقة على احتما لهذا الشظف مع قلّة الزاد والري.
وقد مر بك أن الرسول ﷺ- وهو طفل- قطع هذه الطريق، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه، ثم عاد واحده!.
وإنه الان ليقطعها، وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا
_________________
(١) إلى هنا أخرجه البخاري: ٧/ ١٩٠- ١٩٢؛ والحاكم: ٣/ ٦- ٧، من حديث سراقة بن مالك بن جعشم، وبقية القصة إلا السطر الأخير أخرجها مسلم: ٨/ ٢٣٦، ٢٣٧، من حديث البراء بن عازب، والسطر المذكور عند البخاري: ٧/ ٢٠٠، من حديث أنس، ورواه أحمد أيضا: ٣/ ٢١١.
[ ١٧٧ ]
بالمدينة؛ بل لرعاية رسالته، التي تشبثت بأرض يثرب جذورها، بعد ما تبرّمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله
إنّه أرسخ أهل الأرض يقينا بأنّ الله ناصره ومظهر دينه، بيد أنّه أسيف للفظاظة التي قوبل بها، وللجحد الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطرّه إلى الهجرة على هذا النحو العنيف، ها هو ذا يخرج من مكة، وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله
روى أبو نعيم «١»: أنّ رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله، قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعنّي على هول الدّنيا، وبوائق الدّهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحببني، وإلى النّاس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين أن تحلّ علي غضبك، وتنزل بي سخطك، وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» .