أقبلت (امنة) على ابنها تحنو عليه في انتظار المراضع المقبلات من البادية، يتلمسن تربية أولاد الأشراف، والأعرابيات اللاتي يقصدن مكة لهذه الغاية هن طالبات رزق ويسار، ولم يكن لمحمد ﷺ أب ترقب عطاياه، أو غنى تغري جدواه، فلا عجب إذا زهدت فيه المراضع وتطلّعن إلى غيره.
وكانت (حليمة بنت أبي ذؤيب) من قبيلة (بني سعد) إحدى القادمات إلى مكة ابتغاء العودة برضيع تستعين على العيش بحضانته، ولم يرض طموحها أول الأمر طفل يتيم؛ إلا أنها لم تجد طلبتها، واستحيت أن تعود صفر اليدين، فرجعت إلى (امنة) تأخذ منها (محمدا) ﷺ.
وكانت البركة في مقدمه معها، كانت سنواتها عجافا من قبله، فامتنّ الله عليها بخير مضاعف: درّت الضروع بعد جفاف، ولان العيش وأخصب، وشعرت حليمة وزوجها وولدها بأن أوبتهم من مكة كانت باليمن والغنم، لا بالفقر واليتم، ممّا زاد تعلّقهم بالطفل وإعزازهم له.
وتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوّها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف.
إنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق صغيرة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش.
[ ٦٣ ]
ولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود- فيما يعود إليه- إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنّع. ونحن نقدّر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم، وكثير من علماء التربية يودّ لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتّسق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حلم عسر التحقيق.
[ ٦٤ ]