استقبل (عبد المطلب) ميلاد حفيده باستبشار وجذل، لعلّه رأى في مقدمه عوضا عن ابنه الذي هصرت المنون شبابه، فحوّل مشاعره عن الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد، يكلؤه ويغالي به.
ومن الموافقات الجميلة أن يلهم (عبد المطلب) تسمية حفيده (محمدا) «١» ! إنها تسمية أعانه عليها ملك كريم! ولم يكن العرب يألفون هذه الأعلام، لذلك سألوه: لم رغب عن أسماء ابائه؟ فأجاب: أردت أن يحمده الله في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض، فكأنّ هذه الإرادة كانت استشفافا للغيب، فإن أحدا من خلق الله لا يستحق إزجاء عواطف الشكر والثناء على ما أدى وأسدى، كما يستحق ذلك النبي العربي المحمّد ﷺ.
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد!» «٢» .
لكن الحقيقة القاسية- برغم حفاوة الجد الحنون- باقية؛ فإن (محمدا) ﷺ يتيم، برز إلى الدنيا بعد ما غادر أبوه الدنيا. ليكن!! ولنفرض عبد الله بقي حيّا!! فماذا عسى كان يفعل لابنه؟! أكان يربيه ليهب له النبوّة؟! ما كان له ذلك. إن الأب عنصر واحد من عناصر شتى تتحكّم في مستقبل الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه، ولو كانت النبوّة بالاكتساب ما قربتها حياة الوالد شبرا؛ فكيف وهي اصطفاء؟!.
_________________
(١) سمّاه كذلك بعد ما ختنه في يومه السابع.
(٢) الحديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٤٣٥- ٤٣٦.
[ ٦٢ ]
كان يعقوب حيّا يرزق، له شيخوخته وتجربته وحكمته؛ بل له نبوته، وقد نظر يوما ما فلم يجد يوسف قريبا منه؛ إنه فقده في أخطر فترات العمر، فترة الصبا اللدن، واليفاعة الغضة، ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف، فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف، كما يتّقد المصباح في أعماء الليل المدلهم، فلما التقى الابن بوالده بعد لأي، رأى يعقوب ابنه نبيّا صدّيقا
لقد ولّى عبد الله، وترك ابنه يتيما، بيد أن هذا اليتيم كان يعدّ من اللحظة الأولى لأمر جلل، أمر يصبح به إمام المصطفين الأخيار، وما الأب والجد، ما الأقربون والأبعدون، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخّرة لإتمام قدر الله، وإبلاغ نعمة الله من اصطنعه الله.