أخرج الإمام مسلم والترمذي عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألا تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم).
وجاء في رواية أخرى أوردها كل من الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن صهيب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا
[ ١٧٢ ]
يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ويبيض وجوهنا؟ ويدخلنا الجنة؟ وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم) وجاء في بعض روايات الحديث المذكور أن ذلك هو (الزيادة) التي قال الله فيها: «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة» سورة يونس.
وروى الترمذي بسنده إلى صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) وقال الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» قال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي حدثنا يوسف ابن محمد بن يزيد بن صيفى عن أبيه عن جده عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها) كما ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة صهيب.
وروى ابن عمر عن صهيب أنه قال: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة بإصبعه) ومن الأحاديث التي رواها صهيب قوله ﵊: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). أخرجه الإمامان: مسلم وأحمد.
[ ١٧٣ ]
وله نحو الثلاثين حديثا، روى له مسلم منها ثلاثة وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وأسلم مولى عمر، وسعيد بن المسيب وآخرون ويعد في المدنيين، وكان يقول - فيما نقل عنه -: هلموا نحدثكم عن مغازينا: فأما أن أقول: قال رسول الله فلا، فهو بهذا يتجنب رواية الحديث.
وكان فيه مع فضله وإيمانه وعلو درجته - مداعبة وحسن خلق، وروى عنه من هذا أنه حين قدم على رسول الله ﷺ في هجرته وهو بقباء قبل أن يتحول منها، ومعه أبو بكر، وعمر، وكان بين أيديهم رطب وتمر، وصهيب قد رمد، إذ أصابه الرمد وهو في طريقه إلى المدينة، كما أصابته مجاعة شديدة من قلة الزاد معه، ولما وجد الرطب والتمر أمامه وقع في الرطب يأكل أكل الجوعان، فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ له: (تأكل الرطب وأنت رمد؟) فقال له صهيب: إنما آكل على شق عيني الصحيحة، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال صهيب: يا رسول الله ما تزودت إلا مدا من دقيق عجنته بالأبواء حتى قدمت عليك
[ ١٧٤ ]
وكان في لسانه عجمة شديدة، وهي ناتجة عن تربيته وطول إقامته في أرض الروم، لأنهم أخذوه من وسط قومه وهو طفل صغير كما مر ذكره آنفا، وروى زيد ابن أسلم - الذي كان ملازما لعمر - عن أبيه قال: خرجت مع عمر حتى دخل على صهيب حائطا له بالعالية، فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس، فقال عمر ما له - لا أبا له - يدعو بالناس، فقلت له: إنما يدعو غلاما له اسمه «يحنس» وإنما قال ذلك لعقدة في لسانه، فقال له عمر: ما فيك شيء أعيبه يا صهيب إلا ثلاث خصال لولاهن ما قدمت عليك أحدا: أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكتنى بأبي يحيى اسم نبي وليس لك ولد، وتبذر مالك، فقال له صهيب: أما تبذير مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى فإن رسول الله ﷺ كناني بأبي يحيى، فلن أتركها، وأما انتمائي للعرب ولساني أعجمي فإن الروم سبتني صغيرا فأخذت لسانهم، وأنا رجل من النمر بن قاسط من الموصل ولو انفلقت عن روثة - بعرة - لانتسبت إليها.
وكان من حب عمر لصهيب ﵂، أن عمر كان حسن الظن في صهيب، وظهر هذا معه في عدة مناسبات، منها أنه حين طعن ﵁ أوصى أن يصلي عليه إذا مات صهيب، كما أوصى أن يصلي بجماعة المسلمين ثلاثا حي يتفق أهل الشورى على من سيخلف.
[ ١٧٥ ]
وذكر ابن سعد في طبقاته أن صهيبا قال لأبي بكر: وعدتني أن نصطحب - يعنى في الهجرة - فخرجت وتركتني، وقال هذا أيضا رسول الله ﷺ: وعدتني يا رسول الله أن تصاحبني، فانطلقت وتركتني فأخذتني قريش فحبسوني، فاشتريت نفسي وأهلي بمالي، فقال له رسول الله ﷺ (ربح البيع) فأنزل الله: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» سورة البقرة - الآية ٢٠٧.