قال بعض كتاب السير: أنه لم يسلم أبوا أحد من السابقين المهاجرين غير أبي بكر وعمار.
وجاء في «أسد الغابة» لابن الأثير عن حذيفة ابن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه). وأخرجه أبو يعلى في مسنده، وأخرج الترمذي وغيره أنه ﵊ قال: (اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي، أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود) كما أخرجه ابن عدي عن أنس، وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما)، وقال له: (أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية).
وجاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: «أمن هو قانت آناء الليل» قال: نزلت في عمار ابن ياسر.
والذي أجمع عليه رواة الأخبار في موته، أنه قتل في معركة «صفين» في حرب علي بن أبى طالب مع معاوية بن أبى سفيان، في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة وقيل في هذا كما مر.
[ ١٦٤ ]
ودفن هناك في «صفين» ﵀ ورضي عنه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال فيه: (تقتله الفئة الباغية) كما قال فيه أيضا (إن قاتله وسالبه في النار) وروى هذا الأثر الأخير عن عبد الله ابن عمرو بن العاص حين أخبر بقتله معاوية يوم الوقعة المذكورة، فكأن عمرو بن العاص حين أخبر معاوية بقتل عمار يشير إلى أنه هو المقصود بهذا الأثر، غير أن معاوية المشهور بحيله ودهائه رد على عمرو يقوله: (لسنا نحن الذين قتلناه حتى تكون من البغاة بل قتله من جاء به إلى المعركة حتى يموت فيها). وهذا من معاوية تأويل بعيد كما يقول الفقهاء، وعلى كل حال فهذا من قدر الله، وعنده يجتمع الخصوم، وهو الحاكم بين الخصوم يوم القيامة، وهناك لا يظلم أحد، ولا تضيع الحقوق في ذلك اليوم كما ضاعت في الدنيا، وقد نهينا عن الخوض فيما حدث بين الصحابة، نظرا لمنزلتهم عند الله وعند رسوله، لما قدموه من تضحيات جسام لا يستطيعها سواهم، وجاء في فضله ومنزلته عن رسول الله ﷺ ما جاء من ذلك، كما في سنن ابن ماجه عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه قول علي: كنت جالسا عند النبي ﷺ فاستأذن عمار بن ياسر فقال النبي ﷺ (ائذنوا له، مرحبا بالطيب المطيب). وفيها أيضا عن هانئ بن هانئ قال: دخل عمار على علي فقال: مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله
[ ١٦٥ ]
ﷺ يقول: (ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه) - رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين -.
وفي سننن ابن ماجه أيضا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما).
ومن أعمال أبي جهل بالمسلمين الذين يسلمون ويتبعون الرسول ﷺ، أنه كان إذا سمع برجل أسلم واتبع رسول الله ﷺ، ينظر إليه على حسب قوته وهيبته ومكانه في قومه، فإن كان له شرف وحسب ومنعة في قومه لامه على إسلامه وأنبه وخزاه، من غير أن ينال منه بمكروه، ويكتفي بالقول له: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك، ولنفيلن (١) رأيك ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرا قال له: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك، أما إن كان ضعيفا لا منعة له، ولا قبيلة تحميه وتدافع عنه ضربه وأغرى به ونال منه بما شاء، من أنواع التعذيب والعذاب والأذى، هذا شأنه مع المسلمين الأقوياء منهم والضعفاء، من أجل نصرة معبوداته وأصنامه وآلهته المعبودة بالباطل، ينتصر لها بما يستطيع، وهذا دأب الضالين والظالمين في كل زمان ومكان، ولكن العاقبة والنهاية للمحقين والمتقين
_________________
(١) فيل رأيه تفييلا ضعفه وقبحه وخطأه.
[ ١٦٦ ]
- ٧ -