مما أكرم الله به بلالا ﵁ زيادة على أن إسلامه كان في أول المسلمين، وبلاؤه البلاء المر والبلاء الشديد، وصبره على كل ما أصابه في سبيل الله، فقد أكرمه الله بكرامة أخرى، حيث اختاره الرسول ﷺ ليكون حامل عنزته، فقد جاء عن ابن عمر رضي عنهما قال: كانت العنزة تحمل بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد يحملها بلال المؤذن، وكان يركزها بين يديه، والمصلى يومئذ فضام لتقوم مقام «السترة» التي توضع أمام المصلي، فإذا أراد أحد المارة أن يمر أمام المصلي مر من ورائها، فتكون السترة حائلا بين المار وقت مروره وبين المصلي وقت صالته، والسترة من سنن الصلاة إذا كان المصلي يصلي وأمامه فضاء يمر منه الناس وذلك حتى لا يقطع المارة على المصلي صلاته، ولا يشغلوه عنها وقت مرورهم، وقد زهد في فعلها المسلمون في الوقت الحاضر، فهي من السنن النبوية التي تنوسيت، وكاد المصلون أن لا يعرفوها إلا القليل منهم، فبلال هو الذي كان يحملها ويمشي بها أمام رسول الله ﷺ، وهذا شرف آخر حازه بلال بفضل إيمانه ويقينه الذي لم يزعزعه أو يضعفه التهديد والوعيد بل حتى والعذاب الشديد، والعنزة: هي عود من خشب
[ ١٤١ ]
أطول من العصا وأقصر من الرمح، في أسفلها وطرفها الذي يمس الأرض زج كزجر الرمح، - الزج حديدة - يتوكأ عليها الشيخ الكبير ومن تقدمت به السن، وذلك لعجزه عن السير بدونها، وهي شبه العكاز التي نعرفها الآن عندنا.
وقد ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى بسنده عن حفص بن عمر بن سعد عن أجداده وغيرهم أنهم أخبروه أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله ﷺ ثلاث عنزات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى علي بن أبي طالب واحدة، وأعطى عمر بن الخطاب واحدة، فكان بلال يمشي بتلك العنزة التي أمسكها رسول الله ﷺ لنفسه بين يديه في يومي العيد - الفطر والأضحى - حتى يأتي المصلى فيركزها بين يديه فيصلي إليها ثم كان يمشي بها بين يدي أبي بكر بعد رسول الله ﷺ كذلك، ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في العيدين، فيركزها بين أيديهما فيصليان إليها، قال عبد الرحمن بن سعد، وهي هذه العنزة التي يمشى بها اليوم بين يدي الولاءة.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر بن محمد ابن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبيه قال: لما توفي رسول الله ﷺ أذن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أن
[ ١٤٢ ]
محمدا رسول الله انتحب الناس في المسجد - يعني بكوا بالصوت وذلك هو النحيب - فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر: أذن، فقال إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك - وفي رواية فاحبسني - وإن كنت اعتقتني لله فخلني ومن اعتقتني له، فقال، ما اعتقتك إلا لله، قال فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ، قال: فدلك إليك، قال فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها.
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لبيك، قال اعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله، قال: فأذن له فذهب إلى الشام فمات ثم.