كان مشركو قريش يتفنون في تعذيب المؤمنين بالله وحده، كل حسب رأيه وهواه، فتعذيبهم وعذابهم لهم لا يختلف كثيرا، في مقاديره، وإنما يختلف في أنواعه، فقد كان البعض منهم يلبس من كلف بتعذيبه درع أو أدراع الحديد، ثم يصهرونهم في حر الشمس - يحمونهم بها - فيبلغ منهم الجهد والعذاب ما شاء الله أن يبلغ من حر الشمس وحر الحديد المحمى فيها معا، قال الشعبي وغيره: إن خبابا صبر على ذلك العذاب ولم يعط الكفار ما سألوه، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف - الحجارة المحماة بالنار أو بالشمس - حتى ذهب متنه.
وروى عن عروة بن الزبير قال: كان خباب من المستضعفين الذين يعذبون في مكة ليرجع عن دينه.
وروى عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ - أي تدعو الله تعالى لينصرنا على المشركين - ألا تدعو لنا؟ فجلس - محمرا - وجهه وقال: (لقد كان من قبلكم يحفر له حفرة، ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم من لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله ﵎ هذا الأمر
[ ٢٠٠ ]
حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى خصرموت لا يخشى إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون (١).
فهذا امتحان لأهل الإيمان، هل يصبرون على ما يصيبهم فيفوزوا بالحياة الهنية السعيدة والآمنة، أو يجزعون فيخسروا ذلك؟ وقد انتدبهم الله إلى حمل شريعته وتبليغها إلى عباده المهيئين لحملها وتحملها وتحمل كل أذى يصيبهم في سبيل ذلك.
وهذا ما أراده الله ورسوله للمؤمنين كي يصبروا ويوطنوا أنفسهم على تحمل الأتعاب والمشاق في سبيل العقيدة الإسلامية، عقيدة الحق والتوحيد، ولا يستعجلوا، فمن أراد الشهد أصابه لسع إبر النحل.
كان خباب في جاهليته قينا - حدادا - يصنع السيوف، وكان رسول الله ﷺ يألفه ويأتيه فأخبرت مولاته - سيدته - بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه - عقابا له - فشكا ذلك لرسول الله ﷺ، فدعا له وقال: (اللهم انصر خبابا) فأجاب الله دعاء رسوله في هذه المراء سيئة الخلق والمعاشرة للمملوك الذي جعله الله تحت يدها، فعاشرته معاشرة سيئة إذ عاقبته بالنار لأن رسول الله ﷺ كان يتردد عليه ويجلس معه فاشتكت - مرضت هي الأخرى - سيدته
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ج ٥ ص ١٠٩ والجزء ٦ ص ٣٩٥ بألفاظ متقاربة، وأسد الغابة لابن الأثير ج ٢ ص ٩٨
[ ٢٠١ ]
أم أنما - من مرض أصاب رأسها، فكانت تعوي مثل الكلب - من عقاب الله لها - فقيل لها، اكتوي، فكانت تأمر عبدها خبابا بأخذ الحديدة المحماة فيكوى بها رأسها.
ما شاء الله كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكان الجزاء الإلهي السريع من جنس العمل، وكان سريعا لكن مع وجود الفارق، كانت سيدته تعذبه بالنار ولا يستطيع أن يمتنع منها لأنها مالكته وسيدته، فبدعوة الرسول ﷺ نزل عليها قضاء من لا يخفى عليه شيء، سبحانك ما أعدلك يا رب العالمين، هذه هي محكمة العدل الإلهي، لا يفر منها ظالم مهما كان فأصابها وجع برأسها، فاضطرت إلى أن تطلب من عبدها خباب أن يكويها بالنار، إذ لعلها تجد في الكي راحة، فيكف عنها وجعها، كما كانت هي تكويه بالنار عقابا له على إيمانه واتباعه رسول الله ﷺ، فتبارك الله أعدل الحاكمين وناصر المظلومين.
قال الشعبي: سأل عمر بن الخطاب خبابا ﵄ عما لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنظر إلى ظهري، فكشف له عن ظهره فلما رآه عمر قال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، وذلك لما رآى فيه من أثار الإحراق بالنار، من أجل عقيدته وتصديقه لرسول الله ﷺ وإيمانه به واتباعه لشرع الله وتركه لعبادة الأوثان، فقال خباب لما دهش عمر من أثر الحريق: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري.
[ ٢٠٢ ]
ومما أصابه من المشركين ما قصه هو بنفسه قال: كنت رجلا قينا - حدادا - وكان لي على العاص بن وائل - أحد طغاة المشركين - دين فأتيته أتقاضاه - أطلب ديني منه - فقال لي، لن أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، فقال وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد - قالها استهزاء - قال فأنزل الله فيه «أفرأيت الذي كفر بآيتنا وقال لأوتين مالا وولدا» الآيات ٧٧ - ٧٨ - ٧٩ من سورة مريم.