وممن روى الحديث عن خباب الإمام الشعبي، ولهذا يذكر الكثير من أخباره، كما روى عنه غيره من رواة الحديث، وممن روى عنه ابنه عبد الله بن خباب ابن الأرت، فقد روى عن أبيه خباب قال: صلى رسول صلاة فأطالها فقلنا: يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال: (أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ﷿ ثلاثا، فأعظاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها) وقد أخرج حديث خباب هذا الإمام أحمد في مسنده وغيره عن رواة الحديث، كما جاء بعضه في حديث ثوبان - مولى رسول الله - عند الأئمة - مسلم والترمذي وأبي
[ ٢٠٣ ]
داود وهو قوله (إن الله زوى لي الأرض، الخ) بقليل من اختلاف الألفاظ.
وكان خباب ﵁ لا يأمن على نفسه من التقصير في العمل بما يرضي الله ﷿، فكان بحذر شديد الحذر من أن يخالف فعله قوله، فقد ذكر ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة» بسنده إلى مالك ابن الحارث عن أبى خالد، شيخ من أصحاب عبد الله قال: بينما نحن في المسجد إذ جاء خباب بن الأرت فجلس وسكت، فقال له القوم: إن أصحابك قد اجتمعوا لتحدثهم أو لتأمرهم، قال: بم آمرهم؟ ولعلي آمرهم بما لست، فاعلا.
وروى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: عاد خبابا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تقدم عليهم غدا، فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع من الموت ولكن ذكرتموني أقواما وسميتموهم إخوانا، وأن أولئك قد مضوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا من بعدهم وأوتى بكفنه قباطي - نوع من الثياب الكتانية منسوبة غلى القبط - فبكى، ثم قال: لكن حمزة عم النبي ﷺ كفن في بردة، فإذا مدت على قدميه قلصت عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قلصت على قدميه، حتى جعل عليه إذخر، ولقد رأيتني مع رسول الله صلى
[ ٢٠٤ ]
الله عليه وسلم ما أملك دينارا ولا درهما، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف، ولقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا.
فكلمة «خباب» هذه تشبه كلمة «عمر بن الخطاب» ﵄، تلك الكلمة الوعظية التي قالها حين بسطت الدنيا أجنحتها على المسلمين، فكثر عليهم المال حتى فاض، بعد أن كانوا فقراء لا يجدون قوتا ولا كساء ولا مسكنا في أيامهم الخالية، قبل الإسلام، وقبل كثرة الفتوحات، ولا عجب في خوفهما هذا فكلاهما شرب من معين النبوة الصافي من الأكدار، وارتوى من نبع القرآن العذب المروي لا يحتاج الشارب منه إلى سواه وكلاهما يشير إلى آية سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: «ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون» الآية ٢٠ من سورة الأحقاف، هكذا فهم أصحاب محمد ﷺ التلذذ بمتاع الحياة الدنيا، فهم يخشون شديد الخشية أن تكون هذه الملذات التي أصابوها في حياتهم الدنيا، بعد الفقر والفاقة، من أطعمة وألبسة، ومساكن وقصور، أن تكون هي حظهم من النعيم قدم لهم واستوفوه في حياتهم الدنيا، إذ قد أطلقوا لأنفسهم وشهواتهم العنان في التمتع بها وبجميع أصنافها وأنواعها بلا حدود يقفون عندها، لذا فهم يخشون أن لا يكون لهم نصيب في متاع
[ ٢٠٥ ]
الحياة الآخرة، فيقول لهم ربهم ما يقول للكافرين الذين قضوا كل حياتهم الدنيا في الملاذ والشهوات، فإذا جاؤوا يوم القيامة للحياة التي وعدوا بها، وهي الحياة الدائمة، جاؤوا إليها بلا زاد لحياتهم هذه، إذ لم تتركهم شهواتهم يقدمون إليها شيئا من الطاعات لربهم يجدون ثوابه ينتظرهم لتلك الحياة الطويلة، والتي لا نهاية لها، فيقول لهم ربهم: لاحظ لكم هنا ولا نصيب من التمتع في هذه الحياة، فقد أذهبتم طيبات حياتكم هذه في حياتكم الأولى واستمتعتم يها هناك إذ غلبتكم شهوات نفوسكم، فلم تدخروا من الأعمال الصالحة لهذه الحياة ما يسعدكم فيها وينجيكم من عذاب الله إذ اتباع الشهوات يقود صاحبه إلى النار، كما أن فعل ما تكرهه النفوس - ترضية لله - يقود صاحبه إلى الجنة دار الراحة والكرامة والتكريم، وقد حذرنا الرسول ﷺ بما لا مزيد عليه لمن هداه الله ووفقه لما يرضى عنه ربه مثل حديث البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) ومثل حديث الأئمة أحمد ومسلم والترمذي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - عن الله - «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار باشهوات».
فالجنة محجوبة عن الأنظار بفعل ما هو ثقيل على النفس فتكرهه، فمن ألزم نفسه بما تكرهه كأن يقوم بالفرائض التي أوجبها الله عليه كالصيام والصلاة والزكاة الخ
[ ٢٠٦ ]
وألزم نفسه - وهي كارهة لها - بأدائها دخل الجنة ومن غلبته شهوات نفسه - وذلك ما تحبه النفس الأمارة بالسوء - وأطاعها وعصى ربه، قادته طاعته لنفسه باتباع شهواتها إلى جهنم، فالسور الذي أحيطت به الجنة هو ما تكرهه النفوس وما هو ثقيل عليها، والسور الذي أحيطت به النار هو اتباع شهوات النفس وهو خفيف عليها فتخطي سور الجنة للدخول إليها لا يكون إلا بما تكرهه النفس، كما أن فعل كل ما تشتهيه النفس وما هو خفيف عليها يدخل إلى النار، هذا معنى الحديثين الشريفتين والتوفيق من الله تعالى.
فكلا الصحابيين ﵄ نظر إلى ما ناله المسلمون من متاع الدنيا بعد أن كانوا محرومين منه، فخافا أن مكون هذا تعجيلا من الله لهم ثوابهم الذي أعطاهم لهم جزاء أعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا ليجدوا ثوابها في الآخرة، فإن كل واحد منهما خاف أن يكون قد تعجل في الدنيا - أجر طاعته لله - كالجهاد في سبيل الله - مثلا - ولا يكون له نصيب منه في الآخرة فكان عمر يقول: أخشى أن يقول الله لنا كما يقول للكافرين: «أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون» سورة الأحقاف الآية ٢٠.
وعندما مرض خباب مرضه الشديد وطال به واكتوى سبع كيات، وعاده بعض إخوانه قال لهم: لولا أني
[ ٢٠٧ ]
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا ينبغي لأحد أن يتمنى الموت لألفاني حتى تمنيته).
ونزل خباب الكوفة ومات بها، وجاء أنه أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلا ث وسبعين سنة، ولم يشهد «صفين» مع علي، قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال علي: ما هذه القبور؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين، فأوصى أن يدفن في ظاهر الكوفة، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم فلما رأوا خبابا أوصى أن يدفن بالظهر دفن الناس، ثم دنا من قبورهم فقال: (السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع، عما قليل لا حق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب وقنع بالكفاف، وأرضى الله ﷿).
وأخرج الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي من «صفين» مر بقبر خباب فقال: (رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجره).
هذه شهادة تزكية واعتراف من أمير المؤمنين «علي» كرم الله وجهه لهذا البطل العظيم من أبطال الإسلام
[ ٢٠٨ ]
وعقيدة التوحيد، فهو لها أهل، وبها أحق وأجدر، ﵀ ورضي عنه، وجعل في المسلمين المعاصرين من يسلك سبيله ويقتفي أثره آمين.
وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى قال: دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فأجلسه على متكئه وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، فقال له خباب: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال - وفي رواية عمار بن ياسر - قال فقال له خباب: يا أمير المؤمنين ما هو بأحق به مني، إن بلالا كان في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني أخدوني وأوقدوا لي نارا ثم سلقونى - أحرقوتي - فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض، أو قال برد الأرض إلا بظهري، قال: (ثم كشف عن ظهره، فإذا هو قد برص) أي أصابه البرص من العذاب بالنار.
وشهد خباب بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ﵀ ورضي عنه ورزقنا القدوة الحسنة لإبطال الإسلام ذوي العقيدة الراسخة والإيمان القوي المتين الذي لا تزعزعه صروف الأيام، ولا تقلبات الزمان والأحوال آمين.
[ ٢٠٩ ]
- ٩ -