حين عزم صهيب على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أسوة برسول الله ﷺ
[ ١٦٩ ]
وبمن هاجر من إخوانه صحابة رسول الله وكان هذا في منتصف شهر ربيع الأول، وكان هو وعلي بن أبي طالب من آخر من هاجر ورسول الله ﷺ، ما زال مقيما بقباء لم يرم - يفارق ويبرح - بعد.
وذكرت كتب السيرة: أن صهيبا لما خرج من مكة مهاجرا لحقه مشركو قريش وقالوا له: يا صهيب أتيتنا صعلوكا (١) حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ربح صهيب ربح صهيب) وفي مال صهيب الكثير، قال مصعب الزبيري: هرب صهيب من الروم ومعه مال كثير، فنزل مكة فعاقد عبد الله بن جدعان وحالفه وانتمى إليه.
وجاء في رواية أخرى فيها شيء من زيادة البيان والتوضيح عن موقف المشركين مع صهيب في قصة خروجه من مكة بنية الهجرة واللحاق بمن سبقه، جاء فيها، أن صهيبا حين خرج مهاجرا إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، ولما رآهم مقبلين نحوه يريدونه وقف لهم ونتل كنانته (٢) - استخرج نبالها ونثرها أمامه -
_________________
(١) الصعلوك الفقير
(٢) الكنانة جعبة تجعل فيها النبال سواء كانت من جلد أو من غيره.
[ ١٧٠ ]
وقال لهم: يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء فإذا كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك، ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم عليه وتركوه، فلحق برسول الله صلى ألله عليه وسلم، فقال له الرسول ﷺ (ربح البيع أبا يحيى) فأنزل الله ﷿ في هذا قوله: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» (١).
وروى أصحاب السنن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة).
وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي ﷺ وأبو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، ﵃ اجمعين، فأما النبي ﷺ فمنعه الله من عذابهم بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر الصديق فمنعه الله يقومه، لمكانتهم عند العرب، وأما الآخرون فأخذوا وألبسوا أدراع الحديد ثم صهروا في الشمس.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٠٧.
[ ١٧١ ]
فإلى هؤلاء المسلمين الضعفاء يرجع فضل نشر الإسلام وانتشاره، فقد تحملوا من أنواع العذاب الشيء الكثير، والسؤال الموجه منهم إلينا: هل استفدتم أيها المسلمون - بعدنا - من مواقفنا الصلبة التي لم تلن في جانب الله وعقيدة التوحيد لأي أحد مهما كانت قوته؟؟ وهل أخذتم عنا ما يكون لكم مادة قوية وذخيرة حية صالحة للتربية على أن تنهجوا في حياتكم نهج الحق والصلابة فيه؟ وعدم التساهل مع من يسعى لتوهين هذه العقيدة في قلوب المسلمين، هذه العقيدة التى هي عقيدة الحق، ولا عقيدة غيرها: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)؟؟.