ذكر ابن سعد - وغيره - في الطبقات الكبرى: أن بلالا أخذه أهله - أي مالكوه - فمطوه - أي مدوه - وألقوا عليه من البطحاء - أي الزبل - وجلد بقرة، فجعلوا يقولون: ربك اللات والعزى، وهو يقول أحد أحد، فهم يحاولون أن يردوه عن دينه دين التوحيد، ليشرك مع الله الأوثان والأصنام، فكان لا يجيبهم إلا بكلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال فأتى عليه أبو بكر الصديق
[ ١٣٤ ]
﵁، فقال لمعذبيه: علام تعذبون هذا الإنسان؟ وطلب منهم أن يبيعوه له فقبلوا - بعد محاولات - فاشتراه منهم بسبع أواق وقيل بتسع وقيل بخمس، فأعتقه لله وفى سبيل الله، فذكر هذا للنبي ﷺ، فقال له: الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته، فتم عتقه على يد أبي بكر وأزال عنه قيد العبودية لغير الله الخالق الحكيم، وكان بلال لأبى بكر خازنا ورسول الله مؤذنا.
وروى عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵃ كان يقول: أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا (يعنى بلالا) وجاء في بعض الأخبار التي تعرضت لمحنة بلال أن أبا بكر مر ببلال ومم يصنعون به ما يصنعون من ألوان التعذيب والتنكيل، فقال لمعذبه (أمية بن خلف) ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال له أمية: أنت أفسدته فأتقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى وهو على دينك أعطيكه به قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذاك وأخذ بلالا منه فأعتقه، هذه إحدى روايات عتق بلال، ثم أعتق معه سبعة على الإسلام - قبل أن يهاجر من مكة - ست رقاب وبلال سابعهم.
قال ابن اسحق: وكان بلال مولى أبى بكر ﵄ لبعض بني جمح، مولدا عن مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف
[ ١٣٥ ]
ابن وهب بن حذافة بن جمح يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له (لا والله) لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيجيبه وهو في ذلك البلاء الشديد، أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ - أكثر غيظا - لكم منها لقلتها لكم زيادة في غضبكم عني.
وقال ابن اسحق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به - بلال - وهو يعذب بذلك العذاب وهو يقول أحد أحد فيقول له ورقة أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف وعلى من يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا، (أي لأجعلن قبره موضع حنان وزيارة) أي عطف ورحمة فأزوره كما تزار قبور الصالحين والشهداء للعبرة والذكرى والقدوة الحسنة، هذه رواية ابن إسحاق في السيرة.