ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى عند كلامه على ترجمة بلال ﵁ قال: أخبرنا جرير ابن عبد الحميد عن منصور بن مجاهد قال أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار بن ياسر وأمه سمية، قال: فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وقبيلته وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأجابوهم - في بعض الأوقات - إلى ما طلبوه منهم، من كلمات ترضيهم، فيها نوع من الكفر بالله - ظاهرا - أما قلوبهم فهي عامرة بالإيمان بالله وحده، مثل ما فعل
[ ١٣٧ ]
عمار بن ياسر ﵁، فتد أجابهم إلى بعض ما أرادوه منه، ونطق ببعض كلمات الشرك كما يأتي في ترجمته إن شاء الله، إلا بلالا ﵁، فإنه لم يعطهم أي شيء مما طلبوه منه، فقد هانت عليه نفسه وذاته في الله وفي دين الله، ولم يقبل أن يرضي المشركين بشيء ما طلبوه منه، بل كان يفوه بكل كلمة تغضبهم كما مر سابقا، حتى ملوه وملوا الحديث معه، من أجل ما يسمعهم من إظهار وحدانية الله في كلمة صريحة مدوية - لا غموض فيها ولا تورية - تصم آذانهم وتؤذي مشاعرهم نحو آلهتهم المعظمة في قلوبهم، ولما أعياهم أمره جعلوا في عنقه حبلا من ليف وسلموه إلى صبيانهم، ثم أمروهم أن يشتدوا عليه في التعذيب، ويسرعوا به بين أحشبي - جبلي - مكة، فهو في أيديهم، وهم يفعلون به ما أمروا أن يفعلوه به، وهو يقول أحد أحد، أي لا شريك مع الله في ألوهيته، وهذا هو الثبات على العقيدة وأيم الله، حتى في الأموال والشدائد.
قال الشعبي: سألت ابن عباس ﵄ من أول الناس إسلاما؟ فقال: أبو بكر، أوما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا
[ ١٣٨ ]
الثاني التالي المحمود مشهدهوأول الناس منهم صدق الرسلا
وقد أصاب أبا بكر أذى كثير من الشركين من أجل إسلامه، وهم الذين حاربوا الدعوة الإسلامية في أول بزوغ شمسها لأنه كان أول رجل آمن وصدق رسول الله ﷺ في دعوته قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا مفرق رأسه، مما جبذزه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر.