كان الرسول ﵊ يرمي إلى القضاء على اقتصاديات قريش كما بينت، وكان يرى في ذلك إضعافًا لقوتها العسكرية. وكان قد علم بخروج قافلة كبيرة لقريش قيل أنها جمعت جميع أموالها حتى أنه لم يبق بمكة قرشي ولا قريشة يملك مثقالًا فصاعدًا إلا بعث به في تلك القافلة
وقدرت أموالها بخمسين ألف دينار، وحملت تجارتها على ألف بعير يقودها أبو سفيان ومعه سبعة وعشرون رجلًا وفي رواية أخرى تسعة وثلاثون منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، ورأى الرسول ﷺ أن القضاء على هذه القافلة فيه هدم لاقتصاديات قريش بالإضافة إلى إضعاف مركزها العسكري، وما ينتج عن ذلك من زيادة قوة المسلمين، ورفع روحهم المعنوية.
وبهذا سار الرسول ﷺ إلى العشيرة. إلا أن القافلة كانت قد مرت فرأى ﵊ أن ينتظر عودتها، وبعث الرسول ﵊ طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ينتظران عودة القافلة فنزل على كشد الجهني بالحوراء، وأقاما عنده في خباء حتى مرت العير، فأسرعا إلى الرسول ﷺ يفيضان إليه بأمرها، وما رأيا منها.
ولم ينتظر الرسول ﷺ عودة رسوليه إلى الحوراء، فقد كان يخشى أن تفوته في عودتها كما فاتته في ذهابها إلى الشام.
[ ٤٩ / ٢٠٨ ]
ولهذا دعا المسلمين وقال لهم: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلَّ الله ينفلكموها" ١.
ولم يعزم الرسول ﷺ على أحد بالخروج، ولم يستحث متخلفًا فخف بعضهم وثقل بعضهم٢.
ثم سار الرسول ﷺ بمن أمكنه الخروج، وكان الذين صحبوا الرسول هذه المرة يحسبون أن مضيهم في هذا الوجه لن يعدوَ ما ألفوا في السرايا الماضية، ولم يدر بخلد واحد منهم أنه مقبل على يوم من أخطر أيام الإسلام، ولو علموا لاتخذوا أهبتهم كاملة، ولتسابقوا في الخروج ولم يبق منهم أحد
وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، فعلم من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك.
واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو مسرعًا إلى مكة٣.
وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، وكان عددهم ٣١٣ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ثلاثة وسبعين من المهاجرين، ومائتان وأربعون من الأنصار وكان خروجهم من المدينة في رمضان، وجعل عمرو بن أم مكتوم ليصلي بالناس، واستعمل عليها أبا لبابة الأنصاري، وارتفعت أمام المسلمين رايتان سوداوان وكانت إبلهم سبعين بعيرًا يتبادلون ركوبها، كل ثلاثة أو أربعة يتعاقبون بعيرًا، وكان حظ الرسول ﷺ كحظ سائر أصحابه فكان هو وعلي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون بعيرًا، وكان رفيقا الرسول ﷺ يدعوانه ليركب ويقولان له: "اركب حتى نمشي معك" فكان يرفض منهما هذه الدعوة ويقول: "ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" ٤ ولم يقبل أن يتميز عليهما.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٠٧. ٢ فتح الباري ٧/ ٢٨٥-٢٨٦، ابن هشام ١/ ٦٠٧، أبو الفداء ٣/ ٢٥٦. ٣ المصدر السابق، أبو الفداء ٣/ ٢٥٧. ٤ أبو الفداء ٣/ ٢٦١.
[ ٤٩ / ٢٠٩ ]
وأسرع رسول الله ﷺ وصحبه خوفًا من أن يفلت أبو سفيان منهم هذه المرة.
ونزل المسلمون في وادي ذَفْران، وهناك علموا بخروج قريش بأجمعها لتحمي قافلتها في أثناء عودتها.
وكانت قريش ترى في استيلاء محمد على القافلة هزيمة منكرة لها وتثبيتًا لمركزه وتأكيدًا لصدق دعوته؛ ولهذا قررت أن تحاربه وتناضله، لتحمي قافلتها؛ ولتقضي على قوته فلا يعود ثانية إلى الوقوف في وجه قوافلها.
(يتبع)
[ ٤٩ / ٢١٠ ]
قوة العقيدة سبيل المصر في غزوة بدر الكبرى
قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى -٣-
د. محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة
وانطلق سواد مكة وهو يغلي يمتطي الصعب والذلول فكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلًا معهم مائتا فرس يقودونها، وسبعمائة بعير ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بشعر فيه ذم للمسلمين.
وزين الشيطان للمشركين أعمالهم، وأوحى إليهم بأحلام النصر، وماذا على الشيطان لو انهزموا سوى أن يتركهم وخزيهم. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال آية ٤٨) .
ولكن أبا سفيان استطاع أن ينجو من الخطر المحدق به بتعديل سيره عن طريق ساحل البحر تاركا بدرًا إلى يساره، ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة فأرسل إلى قريش يقول: إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم وقد نجاها الله، فارجعوا.
فقال أبو جهل: "والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا"١.
_________________
(١) ١ أبو الفداء عن ابن إسحاق ٣/٢٦٦، ابن هشام ١/٦١٨-٦١٩.
[ ٥٢ / ١٥٤ ]
وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول ﷺ فإن دعم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت يعتبر خطرًا على الإسلام ووقفا لنفوذه؛ لذلك لم يلتفت الرسول ﷺ لفرار القافلة التفاته لضرورة التجوال المسلح في هذه الأنحاء إعلاءً لكلمة الله وتوهينا لكلمة الشرك، وإظهارًا لعبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضرًا.
ومضت قريش في سيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر.
وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا بعد أن قطعوا في مسيرهم مسافة تربو على مائةٍ وستين كيلومترًا (١٦٠) وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
وهبط الليل فأرسل النبي ﷺ عليا، والزبير، وسعدًا يتحسسون الأحوال ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يَمدّانِهم بالماء. فأتوا بهما وسألوهما- ورسول الله قائم يصلي- فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم هذا الخبر، ورَجوْا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل للاستيلاء على القافلة- فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، ولما فرغ الرسول ﵊ من صلاته قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما١ صدقا والله إنهما لقريش" وناقشهما الرسول ﵊ حتى استنتج عدد القوم وهو ما بين التسعمائة والألف وعرف مكانهم، وعرف أن أشراف قريش قد خرجوا جميعا.
فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" ٢ وانكشف وجه الجد في الأمر. إن اللقاء المرتقب سوف يكون مُرً المذاق. لقد أقبلت قريش تخب في خيلائها تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها الوثنية بالحكم النافذ.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، مسند أحمد رقم ٩٤٨، ابن هشام ١/٦١٨،أبو الفداء ٣/٢٦٥. ٢ ابن هشام١/٦١٨، أبو الفداء ٣/٢٦٥.
[ ٥٢ / ١٥٥ ]
ونظر الرسول ﷺ حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره، وحاضره بهذا الدين الذي افتداه وآوى أصحابه.
فأحب أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا على ضوئه ما يفعلون. والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاق، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلبون الأمر على عجل، تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن.
استشار رسول الله ﷺ أصحابه فقام أبو بكر ﵁ فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون مادامت عين تطرف- فوالذي بعثك بالحق- لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له الرسول: "خيرا ودعا له".
وروي أن الرسول ﷺ ضحك وأشرق وجهه عندما سمع مقالة المقداد وبايعه الناس جميعا فقال الرسول ﷺ: "أشيروا علَّي أيها الناس؟ " فقال عمر ﵁: "يا رسول الله إنها قريش وعزُّها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهبْ لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته".
وأعاد الرسول ﷺ بعد أن فرغ عمر من قوله سؤاله قائلًا: "أشيروا علي أيها الناس"؟ ففهم الأنصار أن الرسول ﵊ يقصدهم، فهم كانوا قد بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، ولم يبايعوه على اعتداء يقع خارج مدينتهم، فلما أحسوا أنه يريدهم قام سعد بن معاذ سيد الأوس وقال: "لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ " فقال ﵊: "أجل" قال سعد ﵁: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منَّا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فامرنا نتّبِع
[ ٥٢ / ١٥٦ ]
أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُرٌ في الحرب صدُق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منَّا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك".
فسُرَّ الرسول ﷺ بقول سعد ونشطه، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"١.
ولكن هذا الذي قاله المقداد والذي قاله سعد﵄- لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع الرسولﷺ.
فلقد كره بعضهم القتال، وعارض فيه، لأنهم لم يستعدوا لقتال، إنَّما خرجوا لمقابلة الفئة الضعيفة التي تحرس البعير، فلما علموا أن قريشا قد نفرت بخيلها ورجلها وشجعانها، وفرسانها وركبانها، كرهوا لقاءها كراهية شديدة حتى قال أحد الحاضرين: إلى مذبحة تقودنا يا محمد.
روي عن أبي أيوب الأنصاري﵁- قال: قال رسول الله ﷺ- ونحن بالمدينة-: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟ " فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في قتال القوم؟ إنهم أخبروا بخروجكم"، فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا: مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: "إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ".
قال: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.
قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ ٢ (الأنفال آية ٥) .
فهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين يومئذ وما كرهوا من أجله القتال حتى ليقول عنهم القرآن الكريم: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الأنفال آية ٦) .
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/٦١٤ – ٦١٥،أبو الفداء ٣/ ٢٦٤،فتح الباري٧/٢٨٧. ٢ فتح الباري ٧/٢٧٨-٢٨٨.
[ ٥٢ / ١٥٧ ]
وذلك بعد ما تبين الحق وعلموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين وأنه لم يبق لهم خيار، وأن عليهم أن يلقوا الطائفة التي قدر الله لهم لقاءها كائنة ما كانت. كانت العير أو كانت النفير. كانت الضعيفة التي لا شوك لها. أم كانت القوية ذات الشوكة والمنعة.
ولقد بقي المسلمون يودون أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال آية٧) ١.
هذا ما أراده المسلمون لأنفسهم يومذاك. أما ما أراده الله لهم فكان أمرا آخر ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال آية ٧،٨) .
أراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها سلطان وقوة، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد، وليس بالمال والخيل والزاد، وليس بالعدة، وإنما هو بمقدار اتصالها بالقوة الكبرى التي لا تقف لها في الأرض قوة، وأن يكون هذا عن تجربة واقعية لا كلامًا واعتقادا، لتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة لواقعها كله.
بعد أن استشار النبي ﷺ- أصحابه وعرف مقدار استعدادهم للقاء عدوهم. وجد أنه يجب على المسلمين- مهما كان الثمن- أن يسبقوا إلى آبار بدر فاخذوا في السير حتى وصلوا إِلى أعلى الوادي، وكان الوادي من الجدب بحيث لم يجدوا فيه قطرة ماء- ونَفِدَ ما كان مع المسلمين من الماء، فلما كان الغد بلغ بهم الظمأ حدًا أليمًا من العذاب، وانتهز الشيطان هذه الفرصة فوسوس إليهم: "انظروا إلى ما قادكم إِليه ذلكم الذي يزعم أنه رسول الله القادر.
هاهم أولاء الأعداء لا يحصيهم العَدُّ يحيطون بكم، ولا ينتظرون إلا أن تخور قواكم من شدة الظمأ، فليلتهموكم التهام الفريسة السهلة التي لا تجد من يحميها"، وأخذت وسوسة الشيطان تدور برءوسهم، ومن حسن الحظ أن تعودهم على الظمأ في صيام شهر رمضان قوّى من صبرهم، وفي الوقت الذي بلغت فيه الحرارة أشُدَها، وأرسلت الشمس شعاعها كشواظ من
_________________
(١) ١ أبو الفداء ٣/٢٦٤.
[ ٥٢ / ١٥٨ ]
نار وكاد ينفد الصبر، أرسل الله ﷾ إليهم السحب تتوج القمم والآكام، وتفجرت عن الغيث المنعش، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهورًا وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطار فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام، ولم تمنعهم من السير ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية ١١) .
وعلى العكس كانت هذه العاصفة ضررًا على المشركين فقد أصابهم منها ما أعجزهم ١ عن التحول فقد كانوا في أرض سبخة، وكانت إبلهم تنزلق، وتخر على الأرض وأرجلها الطويلة ممدودة وراءها في صورة تبعث على الضحك، وكانت قوائم الخيل تغوص في الأرض، وتَعْجِزُ عن إخراجها، ويحاول الفارس تخليصها من الأرض فترتمي عليه الفرس. وساد الاضطراب وعمت الفوضى، وعرقل كل ذلك من سيرهم٢.
والمدد على هذا النحو مدد مزدوج مادي وروحي فالماء في الصحراء مادة الحياة فضلًا عن أن يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يفقد حياته، والتحرج من أداء الصلاة على غير طهور بالماء لعدم وجود الماء، ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، ويدخل الشيطان من باب الإيمان، ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب، والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.
وهنا يجيء المدد والنجدة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية،١١) .
ذلك أن فوق ما أوحى الله ﷾ إلى الملائكة؛ ليثبتوا الذين أمنوا فوق وعدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار.
وكان النوم قد جافى عيون المؤمنين من شدة الخوف حينما بلغهم أنهم سيقاتلون جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد ويضربون أخماسا في أسداس، ويفكرون فيما سيلاقونه في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس،
_________________
(١) ١ الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦. ٢ الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦.
[ ٥٢ / ١٥٩ ]
غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمدًا ﷺ بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (الأنفال آية ١١) .
وجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهورًا بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول ﵊ قائلًا: "يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ". فقال رسول الله ﷺ: "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: "أشرت بالرأي" ثم أخذ رسول الله ﷺ ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل١ حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء
وتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.
وبنى المسلمون عريشا للنبي ﷺ؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله ﷺ يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن
ووقف أبو بكر بجوار الرسول ﷺ وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض".
وما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه، وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له: "يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك" ٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/٦٢٠، أبو الفداء ٣/٢٦٧ عن ابن إسحاق. ٢ أبو الفداء ٣/٢٧٢، ٢٧٥. فتح الباري ٧/٢٧٨، الروض الأنف ٥/٩٨-١٣٠.
[ ٥٢ / ١٦٠ ]
والتقى الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين إِذ برز الأسود المخزومي وكان معجبا بقوته، وصرخ بحيث يسمعه المسلمون والمشركون قائلًا: "وحق اللات والعزى لأشربن من حوضهم أو لأهْدِمَنَّه، أو لأموتن دونه". وخرج له من صفوف المسلمين حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربةً أطاحت بنصف ساقه، ووقع على ظهره والدم يسيل من رجله، ثم حبا إلى الحوض في مهارة مدهشة، وأسرع نحوه يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة أدركه فقضى عليه.
وخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فدعا للمبارزة فخرج له ثلاثة إخوة من الأنصار هم: معوذ ومعاذ وعوف. فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقال لهم: مالنا بكم حاجة نريد قومنا، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
وقيل: إِن الرسول ﷺ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدو في مثل هذا الموقف. فقال: "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة بن عبد المطلب، وقم يا علي بن أبي طالب،قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إِذ جاءوا ببطلانهم؛ ليطفئوا نور الله..".
فبارز عبيدة عتبة، وحمزة شيبة وعلي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فجاءوا به إِلى رسول الله ﷺ فأفرشه الرسول ﵊ قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال يا رسول الله: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أًبنائنا والحلائل
فقال له الرسول ﵊: "أشهد أنك شهيد" ثم أسلم الروح١.
بعد هذه المبارزة الفردية التي أثارت العواطف الحربية بين جوانح المحاربين لا يمكن أن يطول انتظار الغزاة، وأخذ الرسول ﷺ يعدل جيشه كتفا بكتف في صفوف متلاصقة كالبنيان المرصوص. وأخذ يكبح شكيمة هؤلاء المتعجلين الذين يريدون أن يتقدموا الجميع إلى القتال فيلاقوا مصرعهم دون فائدة تعود على المسلمين، ومن هؤلاء سواد بن غزيَّة، فقد برز من صفه فضربه رسول الله ﷺ بقدح (سهم) كان في يده
_________________
(١) ١ أبو الفداء ٣/٢٧٩،الروض الأنف ٥/١٠٣، فقه السيرة ص ٢٣٧.
[ ٥٢ / ١٦١ ]
وقال: "استو يا سواد". فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فَأقِدْني، فقال رسول الله ﷺ: "اقتصً مني" فقال سواد كيف وقد ضربتني على بطني العريان.
- وهنا يتجلى حرص الرسول ﷺ على إقامة العدل بين أمته، ليبين أنه لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين الرسول ﷺ وواحد من قومه في ميزان العدل لنأخذ منه ﵊ الأسوة الحسنة:
فيكشف له الرسول ﷺ عن بطنه ويقول: "استقد يا سواد"؟ فاعتنقه سواد فقبل بطنه. فقال ﷺ: "ما حملك على هذا يا سواد"؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك" فدعا له رسول الله بخير ١.
واستشاط الكفار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم فأمطروا المسلمين وابلًا من سهامهم ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف وتصايح المسلمون أحد أحدٌ. وأمرهم الرسول ﷺ أن يكسروا هجمات المشركين وهم يرابطون في مواقعهم وقال: "إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا". فلما اتسع نطاق المعركة واقتربت من قمتها كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي ﷺ في عريشه يدعو الله ﷾، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم قال ابن إسحاق: "خفق النبي خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع" ٢.
لقد انعقد الغبار فوق رءوس المقاتلين وهم بين كرٍّ وفرٍّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر.
فلا عجب إِذا نزلت ملائكة الخير تنفث في قلوب المسلمين روحَ اليقين وتحضهم على الثبات والإقدام.
_________________
(١) ١ أيو الفداء٣/٢٧١،الروض الأنف ٥/١٠٤. ٢ ابو الفداء ٣/٢٧٦.فقه السيرة ص٢٣٨، الروض الأنف ٥/١٠٥.
[ ٥٢ / ١٦٢ ]
ونزل قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال آية ١٣) .
وخرج رسول اللهﷺ- من مكانه إِلى الناس فحرضهم قائلًا: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا إِلا أدخله الله الجنة". وأخذ الرسولﷺ- حفنة من حصباء فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه".
ثم قال لأصحابه: "شدُّوا" ١، فشدُّوا فنزل قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال آية ١٧) .
ولما دنا المشركون قال الرسول ﷺ لأصحابه: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" والتأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء. وهل لأصحاب العقائد، وفداء الحق من راحة إلا هناك، وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة.
فقال عمير بن الحمام الأنصاري: "لا يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض: قال: "نعم". قال: بخ بخ. قال رسول اللهﷺ-: ما يحملك على قول: بخ بخ، قال: لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها؟. فقال الرسولﷺ-: "فِإنك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: "لئن أًنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إِنها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول ﵁:
ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد٢
فما زال حتى قتل رحمه الله٣.
واشتد القتال، وقتل سادات قريش، لأن المسلمين كان هَمُّهم الأكبر هو استئصال سادات قريش، فقد عذبوهم بمكة، وصدوهم عن المسجد الحرام. وقُتل من قُتل، وفرّ من
_________________
(١) ١ أبو الفداء ٣/٢٨٤. ٢ أبو الفداء ٣/٢٧٧، الروض الأنف ٥/١٠٥-١٠٦،فقه السيرة ص٢٣٩. ٣ أبو الفداء٣/٢٧٧.
[ ٥٢ / ١٦٣ ]
فر، وانتصر جيش المسلمين وكانت معركة بدر في صالح محمدﷺ- ورجاله وولى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم لا يكاد أحدهم يلتقي بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلًا من سوء ما حل بهم جميعا.
ثالثا: تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها
قال الله ﷾: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال آية ١٩) .
حينما خرج المشركون من مكة إلى بدر- أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله قائلين: "اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين".
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر "اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة".
وأنه قال عندما التقى الجمعان في ذلك اليوم: "اللهم ربً ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم"١.
وتحقق طلب قريش وأبي جهل، فجعل الله الدائرة عليهم تصديقًا لاستفتاحهم؛ لأنهم طلبوا من الله أن يفتح عليهم وأن يهلك الضالين، وهذه حقيقة فقد دارت الدائرة على الفريق الضال الصاد عن سبيل الله وهزموا هزيمة منكرة.
وهذا نموذج للإجابة لا يسر ولا يشجع على إعادة الاستفتاح من جديد.
ولقد كان أبو جهل أشد المشركين عداوة للإسلام ولما وجد سيل الهزيمة النازل بقومه من المشركين- أقبل يصرخ فيهم، وغباوة الغرور لا تزال ضاربة على عينيه "واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّقهم في الجبال خذوهم أخذًا"٢.
ولقد كان أبو جهل تمثالًا للطيش والعناد إلى آخر رمق، وكان يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول:
بازل عامين حديث سني ما تنقم الحرب الشموس مني
لمثل هذا ولدتني أمي
_________________
(١) ١ أبو الفداء ٣/٢٨٢-٢٨٣. ٢ أبو الفداء ٣/٢٨٣.
[ ٥٢ / ١٦٤ ]
وكان المسلمون يعلمون أن أبا جهل هو المحرك لكل المؤامرات التي تحاك ضد رسول اللهﷺ- فاخذوا يبحثون عنه، وتمكن معاذُ بن عمرو من الوصول إِليه وضربه ضربةً أطارت قدمه بنصف ساقه، وأسرع عكرمة بن أبي جهل لإنقاذ أبيه، فضرب معاذًا على عاتقه فطوحت يده
ثم مر بأبي جهل فتيان من الأنصار وهما ولدا عفراء وهو على فرسه فطعناه حتى هوى عن فرسه واهتم الرسولﷺ- بالبحث عن مصير أبي جهل وأمر أن يلتمس في القتلى فذهب عبد الله بن مسعود للبحث عنه فوجده بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه كما يضع الإنسان رجله على أفعى يريد أن يقضي عليه، وتحرك أبو جهل يسأل عن الدائرة اليوم؟. قال: "لله ورسوله"، ثم استتلى عبد الله قائلا له: "هل أخزاك الله يا عدو الله؟ " قال: وبماذا أخزاني هل أعمد من رجل قتله قومه؟ وتفرس في عبد الله ثم قال له: "لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم"، فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد. وجزّ رأسه وجاء بها رسول اللهﷺ- وحينما رأى رسول اللهﷺ- وجه عدوه الدامي قال: "الله الذي لا إله غيره" ثم قال: "هذا فرعون هذه الأمة" ١.
ولقي مثل هذا المصير المفجع أمية بن خلف وغيره من صناديد قريش حتى بلغوا سبعين صنديدًا من رؤوس الكفر بمكة دارت عليهم الدائرة، وتجرعوا كؤوس الردى صاغرين، وسقط في الأسر سبعون كذلك، وفر بقية التسعمائة والخمسين يرددون لمن خلفهم أن الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار، وهذا جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ويقال لهم: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (الأنفال آية ١٤) .
وانتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، والقلة الضعيفة على الكثرة القوية المستعدة.
وسيحدث ذلك في كل معركة بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وولايته وتوفيقه فمن ذا الذي ينتصر على من كان الله معينه وناصره؟ من يهزم جمعا معه الله.
الجواب على هذا لا أحد إن شاء الله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد آية٧) .
_________________
(١) ١ أبو الفداء٣/٢٨٧-٢٩٠ ورواه أبو داود والنسائي بإسنادهما والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك. الروض الأنف ٥/١١٣-١١٥ ١٤٢-١٤٥.
[ ٥٢ / ١٦٥ ]