د/ محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة
الحلقة الأولى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله خير خلق الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه، ومن اهتدى بهديه وسار على سنته وشريعته إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها مستنفرة الآن للدفاع عن حقوقها ضد أعدائها الذين يتربصون بها، ويتكالبون عليها تكالب الأكلة على قصاعها.
ولن يدفع هؤلاء الأعداء عنها، ويصدهم عن سبيلها، إلا إعلان الجهاد المقدس، ورفع رايته تلك الدعوة التي وجهها سمو ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير فهد بن عبد العزيز، فكان لها صدى عميق في جميع الأقطار الإسلامية، واستجابت لها بالتأييد والدعم، وباركتها قلوب الملايين من المسلمين.
ولابد من بيان المثل والقدوة في رسول الله ﷺ، وأسلافنا الأوائل في جهادهم وقتالهم لأعدائهم لنترسم طريقهم، ونمشي على منوالهم، وأمثل طريق للإقتداء هو غزوة بدر الكبرى تلك الغزوة التي انتصر فيها المسلمون بقوة عقيدتهم، وتفانيهم في الذود عن الإسلام، والدفاع عن حياضه ضد المشركين، وأعداء الدين.
هذه الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين، هذه الموقعة التي قدر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين، وقدَّر ربُّ العالمين أن تكون فيصلًا بين الحق والباطل، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام، ومن ثمَّ تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام، والتي ظهرت فيها الآماد
[ ٤٩ / ٢٠١ ]
البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير، وتدبير ربِّ البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر.
والباطل مهما طال أمده، وقريت شوكته، لابد له -على كثرة أنصاره وقوة عوده- من يوم يخر فيه صريعًا أمام روعة الحق، وقوة الإيمان ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد آية ١٧) .
وليست غزوة بدر الكبرى التي قام بها المسلمون في السنة الثانية من الهجرة وفي رمضان المبارك إلا تطبيقًا عمليًا لهذه السُّنَّة التي وضعها الله ﷾ في صراع الحق للباطل، وهي من السنن التي لا تتبدل ولا تتغير، وليس الحديث عنها حديثًا عن مجرد معركة قامت بين فريقين اختصما على بعير أو قطعة من الأرض، أو على قتل نفس بريئة فانتصر أحدهما على الآخر، وإنما هو حديث كيف يصرع الحقُّ بجلاله الباطل بعدته.
والصراع بين الحق والباطل ليس صراع وقت دون وقت، ولا مكان دون مكان، وإنما هو شأن بشريٌّ عام ما دام الإنسان، وما دام في الإنسان إيمان ورحمة، وتقى وصلاح، وفيه كفر وقسوة، وفجور وانحراف.
وتلك طبيعة الإنسان لم يخلقه الله حين خلقه إلا كان من جنده قوى الخير تدفعه إلى الإيمان وإلى الكفاح في سبيله، وكان من جنده قوى الشر تدفعه إلى الطغيان وإلى الكفاح في سبيله قال الله ﷾: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس آية ٧-١٠) .
وقال ﷾: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان آية ٢-٣) وسأتناول الحديث عنها في النقاط الآتية:
١- مقدمة الغزوة.
٢- سبب الغزوة ووصف المعركة وفضل الله على المسلمين فيها.
٣- تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها.
٤- أسباب النصر وعوامله.
٥- الأسرى وموقف الرسول ﷺ منهم.
٦- الخاتمة.
[ ٤٩ / ٢٠٢ ]