كان العلامة شبلي من أوائل العلماء في الهند الذين انتبهوا على دسائس المستشرقين الحاقدين على الإسلام والناقمين على النبي عليه الصلاة والتسليم، وقد اطلع العلامة شبلي على مؤلفاتهم اطلاعًا عميقًا، ويشهد على ذلك أنه ذكر قائمة لمؤلفاتهم بلغ عددها سبعة وثلاثين كتابًا.
ثم قسم المستشرقين إلى ثلاث طوائف:
١- طائفة من الكتَّاب الذين لا يعرفون شيئًا عن اللغة العربية ومصادر التاريخ الأصيلة، وجُلُّ معلوماتهم تعتمد على المصادر الأجنبية غير العربية المترجمة والمؤلفة، ولم يكن لهم من مجهود إلا أن يظهروا تلك المعلومات الناقصة المشوشة المطبوعة في قلوبهم وميولهم ونزعاتهم أمام الناس، ومع ذلك نحن نعترف أن بعضًا منهم ينصفون في الكتابة، ولكنهم قليلون جدًا.
٢- وطائفة منهم أدباء يجيدون اللغة العربية إجادة تامة، ولكنهم يبعدون كل البعد عن العلوم الشرعية وفن السيرة النبوية، فتجرؤوا على الإسلام ونبيه ﵊، بما يبعث العجب كـ (سخاو) (SACHUA) ونولديكه (NOLDEKE) من الألمان.
٣- هناك طائفة من المستشرقين الذين تخصصوا في العلوم الإسلامية والشريعة مثل بامر (PAMER) ومارجوليت (MARJOULIT) ولكن مع الأسف الشديد كانت دراساتهم مبنية على التعصب للديانة المسيحية والفكر
[ ١٩ ]
١- الغربي؛ ولذلك هم يشنون هجمات عنيفة على العلوم الإسلامية (١) .
كذلك كان للعلامة السيد سليمان الندوي دراسة واعية لكتابات المستشرقين؛ لأنه درس الاستشراق والمستشرقين دراسة عميقة (٢) .
وأنا أذكر بعض الأمثلة لردهما على دراسات المستشرقين:
١- ذكر العلامة شبلي تاريخ مكة المكرمة في كتابه، وأثبت بأدلة أنها كانت مسكن إسماعيل - ﵇ - وردَّ في خلال هذا البحث على رأي المستشرق مارجوليوس (MARJOLIOS) الذي ادعى أن مكة ليس لها تاريخ قديم، كما يقوله المسلمون. وهذه الدعوى لا أساس لها، فأورد شبلي أدلة قاطعة على إبطال رأي هذا المستشرق بأقوال المستشرقين أنفسهم مثل دوزي وكارلائل، وأثبت أن مكة هي أقدم وأشرف مركز للعبادة في الدنيا (٣) .
٢- ذكر شبلي سلسلة نسب النبي ﷺ إلى معد بن عدنان وقال: هكذا في صحيح البخاري (٤)، ولكن ذكر البخاري في تاريخه من عدنان إلى إبراهيم ﵊، ثم ذكر أن لسيدنا إسماعيل ﵇ اثني عشر ولدًا، هم مذكورون في التوراة أيضًا، منهم: قيدار، وانتشر أولاده في الحجاز، ومن أولاده كان عدنان، والنبي ﷺ كان منه.
ثم ذكر اختلاف المؤرخين في بيان سلسلة نسبه ﷺ منه إلى عدنان قيل: عشر وسائط، وقيل: أكثر، وقيل: أقل. قال شبلي: "لو قبلنا
_________________
(١) انظر: "سيرة النبي" (١/٧١) .
(٢) انظر: مقال السيد سليمان الندوي في مجلة "الندوة" ديسمبر ١٩١١م. وما رد به على آرائهم في السيرة النبوية.
(٣) انظر: "سيرة النبي" (١/١٤٩) .
(٤) "صحيح البخاري" باب مبعث النبي ﷺ (٤/٢٣٨) .
[ ٢٠ ]
أقوال من ذهب إلى عشرة أو تسعة فلا يكون أكثر من ثلاثمائة سنة، وهذا يخالف التاريخ، لأن الفاصل بينهما أكثر بكثير".
ثم أثبت شبلي أن الواسطة بين عدنان وإسماعيل ﵇ أربعون (١) (٢) .
لكن المستشرق (سر ويليم) أنكر نسبه ﷺ من سيدنا إسماعيل ﵇، لاختلاف الروايات في ذلك، وقد ردَّ عليه شبلي أولًا بأقوال المستشرقين ومؤرخي اليهود، وثانيا بما جاء في مصادر التاريخ الإسلامي لبيان ثبوت نسبه ﷺ إلى سيدنا إسماعيل ﵇ (٣) .
١- قصة الراهب بحيرى، جاءت هذه القصة مطولة في كتب السير والتاريخ ومعروف أنها وقعت في سفر الشام، وذلك أن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام، وكان رسول الله ﷺ إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، فتعلق به ورقَّ له، واستصحبه في هذه الرحلة، فلما نزل الركب (بصرى) من أرض الشام، وفيها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، رأى رسول الله ﷺ وما صنع الله له من الخوارق للعادة، فسأله أشياخ من قريش ما عِلْمُك به؟
فقال: إنكم حينما أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي (٤) .
هذه الرواية جاءت بألفاظ مختلفة.
فانتهز المستشرقون والمغرضون (سرويليم، ميور، دريبر، مارجوليوس)
_________________
(١) انظر: "سيرة النبي" (١/١٦٠) .
(٢) هكذا جاء في "تاريخ الطبري" (٣/١١١٨)، و"الروض الأنف" (١/٨) .
(٣) انظر: "سيرة النبي" (١/١٦٨) .
(٤) انظر: "المستدرك" (٢/٦١٥) و"البداية والنهاية" (٢/٣٦٥) .
[ ٢١ ]
وغيرهم الفرصة، ورأوا أن هذه الواقعة فيها فتح عظيم لمذهب النصارى، فادّعوا أن رسول الله ﷺ تعلم من الراهب بحيرا، ولقنه الأسرار وتعاليم التوحيد في هذا اللقاء القصير.
إن علماء الغرب يَعتدُّون بصحة هذه الرواية، مع أن الرواية -لو صحت- خالية من ذكر التعليم والتلقين، وما قاله علماء الغرب لا يقوله عاقل رُزق من سلامة العقل والإنصاف ذرة، وكيف يعقل أن غلامًا لا يتجاوز عمره اثنتي عشرة سنة على الأكثر أو تسع سنوات على الأصح، تلقى من شيخ لا يعرف لغته، ولم يجلس إليه إلا ما يستغرقه وقت الجلوس على المائدة، المسائل الدقيقة والتفاصيل العميقة في نقد عقيدة الشرك!؟
وانتقد العلامة شبلي صحة هذه القصة وقال: إنها مرسلة إن كان من روى هذه القصة من الصحابة (١) . وقال الترمذي (٢) بعدما روى هذا الحديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
ومن الرواة عبد الرحمن بن غزوان، وقد تكلم فيه أكثر أهل العلم وقال الذهبي (٣): كان يروي الأحاديث المنكرة، وأشدها نكارة الرواية التي جاءت فيها قصة بحيرا.
وأخرج الحاكم هذا الحديث، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، وعلق عليه الذهبي في "تلخيص المستدرك" (٤) وقال: "موضوع، وعبد الرحمن واهٍ".
ومما يقدح في هذا الحديث: أنه جاء فيه أن أبا طالب أرسل رسول الله
_________________
(١) لابد من بيان أن مراسيل الصحابة حجة عند المحدثين والفقهاء.
(٢) "سنن الترمذي" (٣٢٦٠) .
(٣) "ميزان الاعتدال" (٣/٥٨١) .
(٤) (٢/٦١٥) .
[ ٢٢ ]
ﷺ مع بلال، (وقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا) وهذا من الغلط الواضح؛ فإن بلالًا إذ ذاك لم يكن موجودًا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر (١) .
١- كان النبي ﷺ يكره قبل النبوة عبادة الأصنام ويمنع من كان قريبًا منه من ذلك (٢) .
لكن المستشرق (مارجوليوس) ادعى دعوى عجيبة وأتى لإثباتها بطريق الدجل والمكر بأن النبي ﷺ كان يعبد الصنم، واستدل عليها برواية "مسند أحمد" (٣) وألفاظ الحديث هكذا:
حدَّثني جار لخديجة بنت خويلد أنه سمع النبي ﷺ يقول لخديجة: أي خديجة والله لا أعبد اللات أبدًا، والله لا أعبد العزى أبدًا، قال فتقول خديجة: خل العزى. قال: كانت صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضطجعون.
فردَّ العلامة شبلي على هذا المستشرق وقال: "جاء في الحديث بصيغة الجمع (كانوا) معنى ذلك أن العرب كانوا يعبدون اللات والعزى، ولو كانت الإشارة إلى النبي ﷺ وخديجة لكان بصيغة التثنية، هذا يعرفه كل من له أدنى إلمام باللغة العربية، فصيغة هذه الرواية ترد على هذا المستشرق أيضًا (٤) ".
_________________
(١) انظر: "زاد المعاد" (١/١٨) . وفي "عيون الأثر" (١/٤٣) . بعدما عَدَّل رواة هذا الحديث قال: "ومع ذلك في متنه نكارة، وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالًا".
(٢) "انظر: "المستدرك" (٣/٢١٦) .
(٣) "مسند أحمد" (٤/٢٢٢) .
(٤) "سيرة النبي" (١/١٩٣) .
[ ٢٣ ]
هكذا بيَّن العلامة شبلي دسائس المستشرقين وشبهاتهم في كتابه، وردَّ عليهم، واقتدى به تلميذه العلامة السيد سليمان الندوي في هذا الكتاب.
١- ذكر العلامة شبلي في كتابه قصة الهجرة إلى الحبشة، وسؤال النجاشي وجواب جعفر الطيار ﵁، ولما سمع النجاشي كلامه، فقال: "فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم ﵇، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم" إلى آخره (١) .
ذكر العلامة السيد سليمان الندوي على حاشية سيرة النبي: أن المستشرق مارجوليوس يدَّعي: أن محمدًا ﷺ لما شعر أنه لا يستطيع أن يقاوم قريشًا، وهو قد سمع أن أبرهة الأشرم ملك الحبشة ينوي أن يأتي لهدم الكعبة، فأرسل محمد وفدًا إلى الحبشة قبل إتيانه ليتفق الوفد مع ملك الحبشة ويرغبه للمجيء إلى هدم الكعبة ليكسر قوة قريش، ثم رأى أنه لو تسلط الملك على مكة لم أستفد منه، لهذا سكت على ذلك.
قال العلامة السيد سليمان الندوي (٢): هذا يخالف الواقع والتاريخ، ثم هذا المستشرق يشك في صحة المكالمة التي دارت بين جعفر ﵁ وملك الحبشة، لأنه ظن أن الملك ما كان يعرف اللغة العربية، فرد عليه العلامة السيد سليمان الندوي، أولًا: كان أهل الحبشة يعرفون اللغة العربية، وثانيًا: كان عند كل ملك ترجمان، كما كان بين أبي سفيان وقيصر ملك الروم ترجمان.
سافر النبي ﷺ إلى الطائف وعرض الدعوة على سادة ثقيف يوم ذلك، فهذا السفر دليلٌ على أهمية دعوة الزعماء، ولكن عند
_________________
(١) انظر: "المستدرك" (٢/٣١٠) .
(٢) انظر: ص (١/٢٥١) .
[ ٢٤ ]
المستشرق مارجوليوس. ولكن المستشرق سروليم يخالفه ويعترف أن النبي ﷺ مع شدة عداوة أهل مكة معه سافر إلى الطائف للدعوة، وهذا دليل على الثقة بالنفس، والفضل ما شهدت به الأعداء (١) .
وقد لخص العلامة شبلي النقاط التي ركز عليها الكُتَّاب الأوربيون في الافتراء على حياة النبي ﷺ في:
١. أنه تحول من النبوة في مكة إلى الملك والقوة والسيطرة في المدينة، بكل ما يحمل ذلك من إشعال الحروب والقتل والردع وإراقة الدماء.
٢. تعدد الزوجات والميل إلى النساء.
٣. نشر الإسلام بالقوة.
٤. إقرار الرق وممارسته.
٥. اتباع الأساليب الدبلوماسية كما يمارسه الحكام الدنيويون (٢)، وقد ناقش الكاتب كل هذه الافتراءات في مواضعها، وردَّ عليها بكل إفاضة.
_________________
(١) انظر: "سيرة النبي" (١/٢٥١) .
(٢) انظر: "سيرة النبي" (١/١٠٠) .
[ ٢٥ ]