الحمد لله ذي القدرة والجلال، والنعم السابغة والإفضال، الذي منّ علينا بمعرفته، وهدانا إلى الإقرار بألوهيته، وجعلنا من أمة خاتم النبيين، السامي بفضله على سائر العالمين، الطاهر الأعراق، الشريف الأخلاق، الذي قال الله الكريم مخاطبة له في الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال عن نصرته لدينه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ﷺ، وأزلف منزلته لديه، وعلى إخوانه وأقربيه، وصحابته الأخيار، وتابعيه، وسلم عليه وعليهم أجمعين إلى يوم الدين ..
أما بعد،، فإن الله هدانا بنبيّه محمد ﷺ، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته، ويُمن سفارته خيري الدنيا والآخرة، وكان من ربه بالمنزلة العليا، وفي كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصحة بجميل ذكره ﷺ، وعدِّ محاسنه، وتعظيم أمره وتنويه قدره، فمن ذلك ما قاله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ وقد جمع له سبحانه في هذه الآية ضروبًا من رُتب الأثرة، وجملة أوصاف
[ ٥ ]
من المِدْحة، فجعله شاهدًا على أمّته بإبلاغهم الرسالة، فتحملها في الدنيا، ويؤديها في الآخرة، يقول تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ومبشّرًا لأهل طاعته، ونذيرا لأهل معصيته، وداعيًا إلى توحيده وعبادته، وسراجًا منيرًا يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدي بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، وقد وصفه ربه بهذه الآية في التوراة وزيادة، «حرز للأميّين (^١)، أنت عبدي ورسولي سميّتك المتوكّل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب (^٢) في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا «لا إله إلا الله» ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبنا غلفًا».
بل من فضيلته عند الله أن جعل طاعته طاعة لله، فقال ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وأقسم ربه بحياة رسوله -ﷺ-، وله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس ذلك لأحد منهم، يقول ابن عبّاس: «ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد -ﷺ-، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي
_________________
(١) أي: حفظًا للعرب؛ لأن الكتابة عندهم قليل.
(٢) من السخب، وهي لغة ربيعة في الصخب وهو رفع الصوت.
[ ٦ ]
سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾» وقد تضمنت سورة الضحى من كرامة الله تعالى لمحمد -ﷺ-، وتنويهه به، وتعظيمه إياه خمسة وجوه:
الأول: القسم له عمّا أخبره به من حاله بقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي: وربّ الضحى، وهذا من أعظم درجات المبرّة ..
الثاني: بيان مكانته عنده، وحظوته لديه بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما تركك وأبغضك بعد أن اصطفاك وأحبّك ..
الثالث: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل -ﷺ- يصعد في درجات المعالي، ويُمكّن له من دينه، ويُنصر على أعداءه، ويسدد في أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال ما وصل إليها الأولون والآخرون من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب ثم بعد هذا لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام ولقد من ربه عليه بالكوثر …
الرابع: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة، وأنواع السعادة، وثبات الإنعام في الدارين وزيادة ..
[ ٧ ]
الخامس: تعداده سبحانه لوجوه امتنانه عليه -ﷺ- بقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ وقد زكّاه سبحانه في خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وزكّى بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وزكّى منطقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ورفع ذكره فلا يذكر إلا ويذكر معه كما في الأذان، والتشهد، والخطب، والمجامع والأعياد، وذاك قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ صاحب الوسيلة (^١)، والفضيلة (^٢)، والمقام المحمود (^٣)، والحوض المورود، ولواء الحمد الذي تحته كل حماد، أكرم خلق الله عليه، وسيد ولد آدم وهذا كله، إنما هو غيض من فيض، وقليل من كثير فضله -ﷺ-، ولما أوجب الله علينا من تعزيره، ونصره بكل طريق ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصرة
_________________
(١) منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله.
(٢) المرتبة الزائدة على سائر الخلق.
(٣) الشفاعة العظمى
[ ٨ ]
الخلق ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسوله بالغيب؛ ليحق الجزاء على الأعمال كما سبق في أم الكتاب، أحببت أن أضرب بسهمي في بيان نزر قليل من تفاصيل وجوب محبته، ولزوم نصرته، وإخلاص نصيحته، وحقه على أمته عليه أفضل الصلاة والتسليم ..
واعلم. نور الله قلبك وقلبي، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك. أن لرسول الله عليك -ﷺ- حقوقًا عظيمة منها: