فإن على كل مؤمن وجوب الإيمان به -ﷺ- وتصديقه فيما أتى به، وهذا معنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ..
يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: - «ويجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي -ﷺ-، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلمة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي -ﷺ-، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله، شهد
[ ٩ ]
أنه صادق فيما يخبر به عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة» ويقول ابن القيم في مدارج السالكين: «فرأس الأدب مع الرسول -ﷺ-: كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة بخيال باطل يسميه معقولا، أو يحمله شبهة أوشكّا، أو يقدّم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل ﷾ - بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل»
وقد تكرر الأمر بالإيمان برسول الله -ﷺ- بل وقرنه بالإيمان بالله، يقول تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعل الرب شرط الإيمان به الإيمان برسوله -ﷺ- وبما يدعو إليه، كيف وقد أيده بالآيات الظاهرات الدالة على صدق ما جاء به، ولذا جاء عقب هذا الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
[ ١٠ ]
الصَّادِقُونَ﴾ وتأمل حصر الإيمان بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ في من آمن بالله ورسوله، ثم لم يشك أو يتزلزل بل ثبت على حال واحده وهي التصديق المحض، ثم جاء بذل المال والنفس في سبيل الله، فكان الجزاء أن أشار إليهم: ﴿أُولَئِكَ﴾ لما فيه من معنى بعدهم في الفضل والأجر، وعقبه التزكية ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي الذين صدق فعلهم قولهم ..
بل حكم الله بكفر من لم يؤمن برسوله وحذره من سعيره فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾
وأخرج مسلم (^١) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» ..
وأخرج أيضا (^٢) أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم أموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»
_________________
(١) (١/ ٥١).
(٢) (٣/ ٦٥) ٤٤٠٧.
[ ١١ ]
وانظر إلى المنزلة الرفيعة والمكانة العظيمة التي بلغها صديق هذه الأمة، حين صدق رسول الله حق تصديقه، وآمن به حق الإيمان، فعن عائشة ﵂ قالت: «لما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقال: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟. قال: نعم! قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق،
قالوا: أو تصدق أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم إني لأصدق فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو روحة «فلذلك سمي الصديق .. أخرجه الحاكم (^١)، وصححه الألباني (^٢). ومن لطائف هذا الباب التي تدل على منزلة الشيخين الجليلة، أن رسول الله -ﷺ- قال لأصحابه: «بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع، ليس لها راع غيري؟! وبينما رجل يسوق بقرة وقد حمل عليها، فالتفتت إليه، فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني
_________________
(١) الصحيحة (١/ ٦١٥) ٣٠٦.
(٢) (٣/ ١٢٨٠) ٣٢٨٤.
[ ١٢ ]
خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! قال النبي -ﷺ- «فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب» أخرجه البخاري (^١) ..
وانظر. رحمك الله. إلى مبلغ الإيمان برسول الله -ﷺ- عند الصحابة ومدى التصديق، فيما أخرجه مسلم (^٢) من حديثه النواس بن سمعان في قصة المسيح الدجال وفيه: «إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا؛ اقدروا له قدره» فها هو يخبرهم -ﷺ- بطول يوم في عصر الدجال حتى يغدو كسنة، فلا يسأل أصحابه إلا عن الصلاة وما ذاك إلا لسرعة استجابتهم، ورسوخ فضلهم، ولا غروفهم من زكاهم ربهم …
وفي يوم الأحزاب حين تمايزت الصفوف عن أصناف ثلاثة لا رابع لها إما مؤمن خالص، أو كافر جاهر بكفره، أو منافق كشف خبث سريرته يوم أصاب المسلمين ما أصابهم من جوع، وخوف، وتكالب
_________________
(١) (٤/ ٢٢٥٢).
(٢) صحيح سنن النسائي (٦/ ٤٣) ٣١٧٦.
[ ١٣ ]
أعداؤهم عليهم، واعترض أثناء حفر الخندق للمسلمين صخرة بيضاء صلدة شق عليهم كسرها، فذهب سلمان - ﵁. ليخبر رسول الله لا فقام -ﷺ- بأبي هو أمي. وهو لها، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدغها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيّ المدينة كأنها مصباح في ليل مظلم، فكبر رسول الله -ﷺ- وكبّر صحابته، فضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة .. فسألوا رسول الله -ﷺ-، فقال: «إني حين ضربت الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني، قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺﷺ- بذلك، ثم ضربت الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني، فقالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله -ﷺ- بذلك، ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني. قال رسول الله -ﷺ- عند ذلك: دعوا الحبشة ما ودعوكم». أخرجه النسائي وحسنه الألباني (^١) ..
_________________
(١) التفسير (١/ ٣٥٨).
[ ١٤ ]
وارع سمعك وبصرك لما تقرأ ترى ما بثه رسول الله -ﷺ- من روح الأمل والبشارة في زمن جوع شكي فيه الصحابة إلى رسول الله الجوع، فرفعوا عن بطوهم عن حجر، فرفع رسول الله عن حجرين، وفي خوف شديد، ومع ذلك يؤمن صحابة رسول الله -ﷺ- ما أخبرهم به في هذا الزمن الحرج ولا ريب فحكمه عدل، وخبره صدق، ولذلك كان أبو هريرة - ﵁. يقول حين فتحت هذه الأمصار: افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحوها إلى يوم القيامة، إلا وقد أعطى الله محمد -ﷺ- مفاتيحها قبل ذلك ..
ومما مضى عليك بالمسارعة في الإيمان برسول الله -ﷺ-، واحذر أن تورد الشبهة على الأحاديث النبوية، ولا تجعل قلبك كالإسفنجة تتلقى ما يرد عليها، واجتنب إثارة الشبهة وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبهة خطّافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر من يلقيها حمّالة الحطب. المبتدعة وأذنابهم. فتوقّهم، ولك في سلفك الصالح قدوة، فبهداهم اقتده ..
[ ١٥ ]