اعلم. وفقك الله. أن حبّ رسول الله -ﷺ- من الإيمان، بل إنه مقدم على حب النفس، كما روى البخاري (^١) من حديث عبد الله بن هشام. ﵁ - قال: كنا مع النبي -ﷺ- وهو آخذ بيد عمر. ﵁. فقال له عمر:
يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي -ﷺ-: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» فقال له عمر: «فإنه الآن والله!! لأنت أحب إليّ من نفسي» قال: «الآن يا عمر» ومما يلاحظ في قوله «والذي نفسي بيده» أنه لا أقسم وهو الصادق المصدوق، فالقسم للتأكيد، وقوله «الآن يا عمر» يعني: كمل
_________________
(١) (١/ ١٤) ١٤.
[ ٢٧ ]
إيمانك (^١) .. مصداق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ومقدم على حب الوالد والولد كما أخرج البخاري (^٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: «فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده».
بل لا بدّ أن تكون محبته مقدّمة على الأهل والمال والناس أجمع، أخرج مسلم (^٣) من حديث أنس - ﵁. قال: قال رسول الله -ﷺ- «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله، والناس أجمعين»
فالمتأمل فيما تقدم من الأحاديث يجد أنواع المحبّة؛ فالمحبة إما محبة إجلال وتعظيم كمحبة الوالد، وإما محبة تحنن وود كمحبة الولد، وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال كمحبة الناس بعضهم بعضا، وإما محبة غنا كمحبة المال، وإما محبة بقاء كمحبة النفس، ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول -ﷺ- عنده أشد من هذا المحابّ كلها،
_________________
(١) عمدة القارئ (٢٣/ ١٦٩)
(٢) (١/ ١٤) ١٥.
(٣) (١/ ٦٧) ٤٤.
[ ٢٨ ]
ولقد هدد الله ﷾ من كان شيء من الخلق أحب إليه من الله ورسوله فقال ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
يقول مجاهد والحسن (^١) - رحمهما الله - في تفسير قوله تعالى ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ «بعقوبة آجلة أو عاجلة، ثم فسقهم الله بتمام الآية، وأعلمهم أفهم ممن ضل ولم يهده الله».
يقول الزمخشري (^٢): - «وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها»
ويقول القرطبي (^٣): - «وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله ولا خلاف في ذلك، وأن ذلك مقدم على كل محبوب»
ولن تجد حلاوة الإيمان التي تعني استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، الذي يعني سلامة
_________________
(١) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥).
(٢) الكشاف (٢/ ٨١).
(٣) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥).
[ ٢٩ ]
قلبك وصحتك حتى تكمل محبة الله ورسوله لا تكتفي منها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليك من مما سواهما، وبفرع المحبة بأن لا يحب المرء إلا لله، ولا بد أن يدفع المرء ضدها بأن يكره أن يعود إلى الكفر أو الفسق بعد أن هداه الله، أخرج الشيخان (^١) من حديث أنس مرفوعا: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»
وأبشر أيها المحب بمرافقتك من أحببت، فقد روى مسلم (^٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال: «جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت للساعة؟» قال: حب الله ورسوله، قال: «فإنك مع من أحببت»
قال أنس - ﵁.: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي -ﷺ- «فإنك مع من أحببت» قال أنس: «فانا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر - ﵄ - فأرجو الله أن أكون معهم، وأن أعمل بأعمالهم»
_________________
(١) البخاري (١/ ٦٠) ١٦، مسلم (١/ ٦٦) ٤٣.
(٢) (٤/ ٢٠٣٢) ٢٦٣٩.
[ ٣٠ ]
ومحبة الله ورسوله على درجتين:
محبة واجبة، وهي درجة المقتصدين وتقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بحيث لا يبغض شيئا يبغضه وإنما يحب جميع ما أوجبه الله ورسوله، ويبغض ما حرمه الله ورسوله، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
وأما المستحبة وهي درجة السابقين وتكون بمحبة ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذا حال المقربين الذين قربهم الله إليه، جعلني الله وإياك منهم (^١) ..
وانقسم الناس في محبة رسول الله -ﷺ- إلى أقسام ثلاثة: - أهل إفراط، وأهل تفريط، ووسط بينهما وكذلك جعل الله أمة محمد أمة وسطا ..
أما الأوائل منهم فهم الذين ابتدعوا أمورا لم يشرعها الله ورسوله، ظنا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها، ونسوا قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فاحتفلوا بمولده ولو كان
_________________
(١) قاعدة في المحبّة لشيخ الإسلام (٩١).
[ ٣١ ]
خيرًا ما سبقوه إليه، وبالغوا في مدحه، ووقعوا في الغلو الذي نهاهم عنه، فوا عجبي لمحبتهم المزعومة، وفي ذلك يقول قائلهم:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به … سواك عند حلو الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي … فضلا وإلا فقل يا زلة القدم (^١)
واشتغلوا بحفظ المدائح النبوية عن حفظ سنته، فسار القوم ووقفوا، ووصل القوم وانقطعوا، حتى بلغ الحال ببعضهم أن صار يدعو رسول الله من دون الله، ويحلف به، ويتمسح بالحجرة التي فيها قبره إلى غير ذلك من الشركيّات التي تفعل بدعوى محبة رسول الله -ﷺ- وهي منافية لها بعيدة عنها ..
أما المفرط فهو الذي لم يرع حق رسول الله -ﷺ- في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال .. ولم يعزره، ويجله، ويطيع أمره، ويتبع سنته، وما ذاك إلا بسبب ذنبه، وإغراقه في شهوات نفسه، وتقديم هواه على ما جاء في شرع ربه، ثم أنه اعتقد جاهل
_________________
(١) ديوان البويصري (٢٣٨).
[ ٣٢ ]
قومه أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، حاله كحال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان، وما أكثر هؤلاء. لا كثرهم الله. في هذا الزمان ..
وأما القسم الثالث وهم من وفق الله فالذين توسطوا بين الطرفين وأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فأحبوا النبي -ﷺ- فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق، وتابعوه، وعزروه، ونصروه، وحفظوا سنته رعاية ورواية، واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلوفي حقه، وقدره، ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ..
ومن علامات هذه المحبة: الحرص على رؤيته، والإكثار من ذكره بالصلاة والسلام عليه، ولزوم طاعته، وحفظ ونصر سنته و، والذب عن عرضه، ومحبة من أحب، وبغض من أبغض. وقد مضى بعضها، وسيأتي البعض الآخر بشيء من الذكر. إن شاء الله …
[ ٣٣ ]
وللسلف الصالح في محبة رسول الله -ﷺ- أعطر الذكر، وإليك بعضا من سير القوم في صدق المحبة، وعظيم العاطفة: سئل علي بن أبي طالب - ﵁ - كيف كان حبكم لرسول الله -ﷺ-؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ (^١) ..
وقد سأل أبو سفيان بن حرب. وهو على الشرك يومئذ. زيد بن الدثنة - ﵁ - حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه، أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي ..
قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدة كحب أصحاب محمد محمدا (^٢) …
وجاء رجل من الأنصار إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٦٨).
(٢) البداية والنهاية (٤/ ٦٥) وأخرجه البيهقي يفي الدلائل عن حبيب (٣/ ٣٢٦).
[ ٣٤ ]
أني سأموت، وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله -ﷺ-: - «ما أبكاك» قال: ذكرت أنك ستموت، ونموت فترفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك. فلم يخبره النبي -ﷺ- بشيء فأنزل الله ﷿ على رسوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فقال له الرسول -ﷺ-: «أبشر» (^١)
وروى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: «مر رسول الله -ﷺ- بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله -ﷺ- بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله -ﷺ-؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير إليه حتى رأته. قالت: كل مصيبة بعدك جلل (^٢) ..
وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٣) وله طرق يقوي بعضها بعضا.
(٢) جلل: أي: هيّنة ويسيرة، والكلمة من الأضداد، تكون للحقير والعظيم، النهاية (١/ ٢٨٩)، والحديث قال الهيثمي عنه في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب، ولم أعرفه وبقيّة رجاله ثقات.
[ ٣٥ ]
واسمع إلى قول قيس بن صرمة الأنصاري إذ يقول حين قدم النبي -ﷺ- المدينة:
ثوى في قريش بضع عشر حجة … يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتأسيا
نفادي الذي عادي من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره … وأن رسول الله أصبح هاديا
فهل رأيت حبا أعظم من حب أصحاب محمد -ﷺ- له، وبعد ما تقدم؛ تذكر كم مرة قدمت محبة نفسك ووالدك وولدك وزوجك على محبة رسول الله -ﷺ-، وكم مرة أطعتهم وعصيته، وحكمتهم
[ ٣٦ ]
في مالك، وسلمتهم نفسك، فما أعجب حالك، كيف تستبدل الذي هو أدني بالذي هو خير، وتقرأ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ واعلم أنك متى أرضيت الله أرضى عنك الناس كلهم ولو سخطوا، وإن ابتغيت رضاهم بغضب الله غضب الله عليك وأغضب عليك الناس ولو رضوا، فأحكم معيارك، واجعله رضا ربك، تفز بإذن مولاك، بوركت، وبورك عملك.