لا ريب أن غاية المحب أن يرى محبوبه، وأن يحظى بصحبته، وأن يكحل عينه برؤيته حتى ولو كانت هذه الرؤيا مقابل بذل المال والأهل، ولقد نص على هذه العلامة رسولنا -ﷺ- فيما أخرجه مسلم (^١) من حديث أبي هريرة - ﵁. أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» ..
وقد وصف رسول -ﷺ- أهل هذه العلامة من الأمة بأنهم من أشد الناس محبة الرسول الله، ولا يقدر حق هذه الأمنية إلا
_________________
(١) (٨/ ١٤٥).
[ ٣٧ ]
صاحب الإيمان الذين ترسخ في قلبه حب رسول الله -ﷺ-، وضربت شجرة المحبة بعروقها في قلبه، فأينعت ثمارها، وطاب أكلها، ولا يبالي أحدهم أن يبذل أهله وماله للحظوة برؤيته -ﷺ-، ولسان حال أحدهم يقول: ما أعظم الأمنية، وما أرخص الثمن .. فحريّ بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي -ﷺ- لها بأنها أشد القلوب محبة له، ولا تعجب لمن اشتاق لرؤية من اصطفاه الله، وهداه الله به، من حاز على خصال الكمال التي هي في جبلة الحلقة، وأحاط بشتات محاسنها دون خلاف بين نقله الأخبار لذلك، فلم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق (^١) ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط (^٢)، مربوعًا بعيد مابين المنكبين، ششن (^٣) الكتفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس (^٤)، وطويل المسربة (^٥)، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج (^٦) الحواجب سوابغ في
_________________
(١) أي: شديد السمر.
(٢) القطط: الشعر الذي فيه إلتواء، والبسط: بالكسر أي المسترسل.
(٣) بفتح الشين، وسكون الثاء أي غليظ الأصابع والراحة.
(٤) رؤوس العظام.
(٥) الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر، وينتهي بالسرة.
(٦) مقوس الحاجبين.
[ ٣٨ ]
غير قرن (^١)، بينهما عرق يكره الغضب، أقنى العرنين (^٢)، أهدب الأشفار (^٣)، أدعج العينين (^٤)، له نور يعلوه، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم (^٥)، مفلج الأسنان (^٦)، أحسن الناس عنقا كأن عنقه جيد دمية في صفاء فضة (^٧)، خافض الطرف الطرف نظرة إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، إذا ضحك ضحك عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، وإذا تكلم رؤي كالنور يخرج من ثناياه ..
قال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله كأن الشمس تحري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الحدر .. وقالت أم معبد: أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب ..
_________________
(١) أي كاملات غير مقترنات.
(٢) العرنين، بكسر ال عين: الأنف .. أي طويل الأنف مع دقة أرنبته.
(٣) طويل شعر الرمش كثيرة.
(٤) شديد سواد العين.
(٥) واسعة، والعرب تمدح ذلك؛ لأن سعته دليل على الفصاحة.
(٦) الفلج: انفراج ما بين الأسنان.
(٧) الجيد: العنق، والدمية الصورة المتَّخذة من عاج أو غيره، والمراد أنه في اعتدال وحسن هيئته وكمال وإشراق.
[ ٣٩ ]
وقال علي: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله -ﷺ- (^١) ..
هذا في خَلْقِه، أما خُلُقه فقد كان القرآن، وزكاه ربه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فهل بعد هذا الكمال الخَلقي والخُلُقي لا تشتاق إليه بل تبذل دون رؤيته الأهل والمال ..
وقد كان لسلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - عظيم الشوق للقياه، والحرص على صحبته. وإليك مواقف خلّدها التاريخ، وحفظتها السير:
أخرج البخاري (^٢) عن عائشة - ﵂ - قالت: «بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله -ﷺ- متقنعًا» (^٣) - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبوبكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي -ﷺ- لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول
_________________
(١) الشفا (٤٦).
(٢) (٣/ ١٤١٨) ٣٦٩١.
(٣) مغطيا رأسه.
[ ٤٠ ]
الله قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله: نعم «لم يفكر أبوبكر - ﵁ - في مخاوف السفر ومخاطره، وإنما كان مولعًا بشرف صحبته وإن ترك أهله وماله، فجاءته البشارة فانحدرت دمعته على لحيته الشريفة فرحا بالظفر، وجذلا بالفوز، يقول الحافظ: زاد إسحاق في روايته: «قالت عائشة - ﵂: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح» (^١)
وقد انتظر الأنصار مقدم رسول الله -ﷺ- إلى المدينة بعد خروجه من مكة، أخرج البخاري (^٢) من حديث عروة قال: «وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله -ﷺ- من مكة فكانوا يقعدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردّهم حر الظهيرة»
وفي رواية ابن سعد (^٣): «فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم»
_________________
(١) الفتح (٧/ ٢٣٥).
(٢) (٣/ ١٤٢٥) ٣٧٠٢.
(٣) الطبقات (١/ ٢٣٣).
[ ٤١ ]
ويحدّثنا الإمام أحمد (^١) في حديث أنس أن عدد من استقبل رسول الله -ﷺ- كان زهاء خمسمائة من الأنصار انتهوا إلى رسول الله وأبي بكر، فقالوا: «انطلقنا آمنين مطيعين»
وأمّا أهل المدينة فاسمع الصدّيق يحدثك عن استقبالهم لخير ضيف نزل عليهم: " ومضى رسول الله -ﷺ- وأنا معه حتّى قدمنا المدينة، فتلقاه الناس، فخرجوا في الطريق وعلى الأجاجير (^٢)، فاشتدّ الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر؛ جاء رسول الله، جاء محمد -ﷺ-، قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه ..
يقول أنس: «فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله -ﷺ- وأبو بكر المدينة» (^٣) ..
ويقول البراء: «فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله -ﷺ-» (^٤) ..
وإليك أن تتخيل انتظارهم من أحبّوه في حرّ الهجيرة يترقبون
_________________
(١) (٣/ ٢٢٢).
(٢) جمع إجار، وهي السطوح.
(٣) مسند أحمد (٣/ ١٢٢).
(٤) البخاري (٧/ ٢٦٠).
(٥) (١/ ٣٥٣) ٤٨٩.
[ ٤٢ ]
مرآه الجميل، وحديثه العذب النمير حتى تحرقهم الشمس فيرجعون إلى بيوتهم على أمل لقياه في الغد، فإذا أنارت المدينة بقدومه خرج خمسمائة من الرجال يستقبلونه، وامتلأت سكك المدينة وسطوحها بالنساء والخدم والصبيان يكبرون لمقدمه، ويهنئون أنفسهم أن اصطفاهم الله لشرف إقامته بينهم، يا له من موقف يغبط أهل المدينة عليه!!!.
بل كان هم الواحد منهم أن ينال شرف الصحبة في الدنيا والآخرة ولا يتردد في طلب رسول الله -ﷺ- أن يدعو له أن يرافقه، فتأتي الإجابة التي تحث أصحابها على العمل والمتابعة، والاستمرار على النوافل، أخرج مسلم (^١) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: «كنت أبيت مع رسول الله -ﷺ- فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود»
بل كان الواحد منهم حريصًا على اللحاق به، شوقًا للقياه، أخرج أحمد في المسند (^٢) من حديث عائشة قالت: «إن أبا بكر لما
_________________
(١) (١/ ١٥٨) ١٠ وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
(٢) الشفا (٢/ ٥٦٩).
[ ٤٣ ]
حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ من ليلتي فلا تنتظروا في الغد، فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله -ﷺ-»
ولما حضرت بلال - ﵁. الوفاة، نادت امرأته: واحزناه، فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة؛ محمد وحزبه ..
وجاء مثل هذا عن حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر. رضوان الله عليهم ..
وبعد هذا، هل أنت مشتاق إلى رؤياه، حريص على شرف صحبته، والأنس بالقرب منه، فما بالي أراك عن هديه معرض، قدمت غيره عليه، تلهث لرضاه، وتحاول كسب مبتغاه، ثم تزعم محبة نبيك وشوقك له، إن الحب والشوق ليست شعارات تُرددّ، ولا دعاوى تخلو من الحقائق، بل هما واقع يترجم صدق صاحبه، ولهف اللحاق به، مطيع لأمره حافظ لحديثه، متابع لهديه، مداوم على طاعته، مشتغل بنشر سننه، وليبشر؛ فقد اشتاق الحبيب -ﷺ- لرؤية من كان هذا حاله، وسمّاه أخاه، وودّ لقاءه، أخرج مسلم (^١) من حديث أبي
_________________
(١) (١/ ٢١٨) ٢٤٩.
[ ٤٤ ]
هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «وددت أن قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي، وإخواننا الّذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمّتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أنّ رجلًا له خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلا، قال: فإنهم يأتون غرًّا محجلين من الوضوء ..