لقد أمرك ربك بالصلاة والسلام على رسول الله -ﷺ- بأمر بدأ فيه بنفسه ثم ثنّى بملائكته، فامتثِل أمره، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
بل ضاعف الله أجر من صلّى على رسوله، وأجزل مثوبته، أخرج الطبراني في الكبير (^١) من حديث أبي بردة بن دينار قال: قال رسول الله -ﷺ- «ما صلّى عليّ عبد من أمتي صلاة صادقًا بها في قلب نفسه إلا صلّى الله عليه بها عشر صلوات، وكتب له بها عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات، ومحى عنه بها عشر سيئات» وقال عنه الألباني:
_________________
(١) (٢٢/ ١٩٥) ٥١٣.
[ ٤٥ ]
حسن صحيح (^١) ..
وأخرج أحمد في المسند (^٢) من حديث أبي طلحة الأنصاري قال: جاء رسول الله -ﷺ- ذات يوم والبشر يرى في وجهه، فقلنا: إنا لنرى البشر في وجهك؟ فقال: «إنه أتاني ملك، فقال يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أن يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك إلا سلمت عليه عشرا؟ قال: بلى» وصححه الألباني (^٣) ..
والله ملائكة سياحة خلقها الله لتبلغ رسول الله -ﷺ- سلام أمته، أخرج النسائي وصحح الألباني (^٤) من حديث ابن مسعود مرفوعة قال: «إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام»
واعلم أنها سبب عرض اسم المصلي عليه -ﷺ- وذكره عنده، روى أبو الشيخ بن حيّان وحسّن الألباني (^٥) قوله -ﷺ- «إن لله تبارك
_________________
(١) صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٠) ١٦٥٩.
(٢) (٤/ ٢٩).
(٣) صحيح الترغيب (٢/ ٢٩١) ١٦٦١.
(٤) صحيح سنن ال نسائي (٣/ ٤٣) ١٢٨٢.
(٥) صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣) ١٦٦٧.
[ ٤٦ ]
وتعالى ملكًا أعطاه الله أسماء الخلائق، فهو قائم على قبري إذا متّ فليس أحد يصلي عليّ إلا قال: يا محمد! صلى عليك فلان ابن فلان، قال: فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا»
- والصلاة عليه من أسباب شفاعته -ﷺ-، أخرج مسلم (^١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو».
وأولى الناس به أكثرهم صلاة عليه، أخرج الترمذي (^٢) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، وقال الألباني: حسن لغيره (^٣) ..
- والدعاء موقوف بين السماء والأرض ما لم يصلّ على رسول الله -ﷺ-، أخرج الترمذي وحسن الألباني (^٤) عن عمر بن الخطّاب
_________________
(١) (١/ ٢٨٨) ٣٨٤.
(٢) (٢/ ٣٥٤) ٤٨٤.
(٣) صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٤) ١٦٦٨.
(٤) (٢/ ٣٥٦) ٤٨٦.
[ ٤٧ ]
﵁. موقوفًا قال: «إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلّي على نبيك».
ومداومة الصلاة عليه سبب تفريج الهموم، وغفران الذنوب، أخرج الترمذي من حديث أبي ابن كعب قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أبيّ: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك» قال الترمذي حسن صحيح، وحسنه الألباني (^١) ..
قال ابن القيم: «سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي -ﷺ- هل يجعل له من ربعه صلاة عليه؟ قال: إن زدت فهو خير
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي (٤/ ٦٣٦) ٢٤٥٧.
[ ٤٨ ]
لك، فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها، أيّ: أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: «إذا تكفى همك ويغفر ذنبك» لأنه من صلّى على النبيّ -ﷺ- صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ومن صلّى الله عليه كفاه همّه، وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه» (^١).
- ومجلس لا يصلّى على رسول الله -ﷺ- فيه؛ حسرة على صاحبه يوم القيامة، أخرج الترمذي وصحّح الألباني» (^٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم، إلّا كان عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم»
- بل أبخل الناس من سمع ذكره الشريف، ولم يصلّ عليه -ﷺ-، أخرج ابن أبي عاصم وصحّح الألباني (^٣) من حديث أبي ذرّ ﵁. قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله -ﷺ- قال: ألا أخبركم بأبخل النّاس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من ذكرت عنده ولم
_________________
(١) جلاء الأفهام (٣٣).
(٢) (٥/ ٤٦١) ٣٣٨٠.
(٣) صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٤) ١٦٨٤.
[ ٤٩ ]
يصل علي فذلك أبخل الناس»
ودعى رسول الله -ﷺ- بالذل على من ذكر عنده -ﷺ- ولم يصلّ عليه، وقيل: بل هو إخبار منه، وسواء كان دعاء منه فدعاؤه مجاب، أو إخبار فخبره صدق، أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله -ﷺ- قال: «رَغِم (^١) أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنّة».
ومن لم يصلّ على رسول الله -ﷺ- عند ذكره فقد أخطأ طريق الجنّة، أخرج الطبراني وصحّح الألباني (^٢) من حديث حسين بن عليّ مرفوعًا: «من ذُكِرت عنده فخطئ الصلاة عليّ خُطِّئ طريق الجنّة»
وأحيلك على «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام» لابن قيم الجوزية. ﵀. فقد ذكر في صلاته ثمرات الصلاة على رسوله -ﷺ-، ومواطن الصلاة عليه، وصفتها في كتاب يمتع
_________________
(١) رَغِم: لصف بالرغام والتراب ذلا وهوانا، وقيل معنى رغم: ذل وإن كره. النهاية (٢/ ٢٣٩).
(٢) صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٠) ١٦٨١.
[ ٥٠ ]
قُرّاءه بمطالعته، وقد وضع المؤلف أصابعه الرشيقة على التفصيلات كلها، فأبصر الموضوع من جميع زواياه، وما يهبه للروح من سعادة واطمئنان وأحلتك على مليء ومن أحيل على مليء فليحتل، وأختم هذه الفقرة بفائدة قيّمة من كتاب ابن القيم (^١) - ﵀. يقول فيها:
«الصلاة عليه -ﷺ- من العبد دعاء ودعاء العبد وسؤاله من ربّه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه، ومهماته، وما ينوب فيه الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار المحبوب العبد ومطلوبه ..
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه، ولا ريب أنّ الله تعالى يحبّ ذلك، و
رسوله يحبّه، فالمصلّي عليه، قد صرف سؤاله، ورغبته، وطلبه إلى محابّ الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابّه، وآثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هو، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره، آثره الله على غيره»
_________________
(١) جلاء الأفهام (٣٩١).
[ ٥١ ]