ولعلي هنا أشحذ همّتك لتحرص على تتبع آثار رسول الله -ﷺ-، وتجتهد في طلبها وتحرص على سماعها، وقتم بجمعها وتنتسب إليها وتتعرف على آداب هذا الفن قبل الولوج ببابه، ولا شكّ أنّ على طالب العلم بعد الإنتهاء من حفظ كتاب الله أن يحرص على حفظ سنّة رسول الله، إذ أنّها أسّ الشريعة وقاعدتها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ويقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
يقول البخاري. ﵀ - «أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله -ﷺ- قد أميتت، فاصبروا يا أهل السنن رحمكم الله؛ فإنكم أقلت الناس»
قال البغدادي: «قول البخاري: إن أصحاب السنن أقل الناس، عنى به الحفّاظ للحديث، العالمين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد صدق - ﵀. لأنك إذا اعتبرت لم تحد بلدة من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه ويعولون في فتاواهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث
[ ٥٢ ]
عارف به، مجتهد فيه، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزّته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضًّا طريًّا، والإرتسام به محبوبًا شهيًا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، فكيف نقول في هذا الزمن؟! مع عدم الطالب، وقلة الراغب ..
وقد كنّا نعدهم قليلًا فقد صاروا أقلّ من القليل (^١)
وأقول،، فكيف لو رأى البخاري، والبغدادي أهل زماننا، ولا حول ولا قوّة إلا بالله ..
فاحرص على الانضمام. حفظك الله. إلى أهل السنن، واحفظ ستة حبيبك حفظ رعاية ورواية، وقم بنشرها، وتبليغها؛ فإنه حق من حقوق رسولك عليك ..
أخرج البخاري (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ- «بلغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني اسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» يقول الحافظ: قال في
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٠٢) باختصار.
(٢) (٣/ ١٢٧٥) ٣٢٧٤.
[ ٥٣ ]
الحديث «ولو آية» أيّ: واحدة، ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما يقع عليه من الآي ولو قلّ، ليتّصل بذلك نقل جميع ما جاء به -ﷺ- (^١) فكم من حديث قرأت؟؟! بل حفظت؟؟! بل بلغت؟؟!!!!
- بل أمر صحابته. ﵃. أن يبلغوا سننه في حجة الوداع، فقال يوم النحر فيما أخرج البخاري (^٢) من حديث أبي بكرة - ﵁ - أن رسول الله -ﷺ- قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه"، وعليه بوب البخاري " ليبلغ العلم الشاهد الغائب»، يقول الحافظ: «ليبلّغ الشاهد، أيّ: الحاضر في المجلس الغائب عنه، والمراد: إما تبليغ القول المذكور. خطبة يوم النحر في حجة الوداع - أو تبليغ جميع أحكامه» (^٣) فاحذر. وفقك الله. أن تكون حاضرًا كغائب، أو عالمًا كجاهل …
وقد دعى رسول الله لا بالنضرة لطلّاب الحديث، أخرج ابن ماجة وصحّح الألباني (^٤) من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) الفتح (٦/ ٤٩٨).
(٢) (١/ ٣٧) ٦٧.
(٣) الفتح (١/ ٢١١).
(٤) (١/ ٨٦) ٢٣٦.
[ ٥٤ ]
«نضّر الله عبدًا سمع مقالتي، فوعاها ثم بلغها عنّي، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وزاد أبو داوود (^١) بسند صحيح «فحفظه» فحوى الحديث مراتب العلم الأربع:
١/ السماع .. ٢/ الفهم .. ٣/ الحفظ .. ٤/ الأداء ..
أهل الحديث طويلة أعمارهم … ووجوههم بدعا النبيّ منضّرة
يقول سفيان بن عيينة: «لا تجد أحدا من أهل الحديث إلا في وجهه نضرة، لدعوة النبي -ﷺ-» (^٢).
أهل الحديث هم وصيّة رسول الله -ﷺ-، أخرج ابن ماجة، وحسّن الألباني (^٣) من حديث أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) (٣/ ٣٢٢) ٣٦٦٠.
(٢) السر، (١٠/ ٦٠).
(٣) (١/ ٩٠) ٢٤٧.
[ ٥٥ ]
قال: «سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصيّة رسول الله -ﷺ- وأقنوهم» قلت للحكم. أحد رواة الحديث: ما أقنوهم؟ قال: «علموهم» ..
وقد كان أبو سعيد. ﵁. يقول لمن جاءه من طلبة العلم: «مرحبا بوصية رسول الله -ﷺ-»
- أهل الحديث حماة الذين يبون عن السنن، ويبيّنون صحيحها من سقيمها، يقول سفيان الثوري: «الملائكة
حرّاس السماء، وأصحاب الحديث حرّاس الأرض»، ويقول يزيد بن زريع: «لكلّ دين فرسان، وفرسان هذا الذين أصحاب الأسانيد».
- أهل الحديث ورثة الرسول -ﷺ- فيما ترك من السنّة، وبينما ابن مسعود؟ ﵁. يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرّ أعرابي، فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود: على ميراث محمد يقسمونه (^١) ..
فإذا اشتغل النّاس بقسمة الدرهم والدينار فاشتغل بقسمة قال
_________________
(١) ينظر فيما تقدّم «شرف أصحاب الحديث» للبغدادي .. (٤٤ - ٤٦).
[ ٥٦ ]
الله تعالى وقال رسول الله -ﷺ- ..
العلم ميراث النبي كما أتي … في النص والعلماء هم وراثه
ما خلّف المختار غير حديثه … فينا فذاك متاعه وأثاثه
أهل الحديث الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، أخرج البخاري (^١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»
يقول ابن المبارك: «هم عندي أصحاب الحديث» وقال الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم»، وكذا قال ابن المديني (^٢) ..
وتأمّل كيف حاز السلف الصالح. رضوان الله عليهم. في هذا الباب أعلى الكتب، فقد كان عمر - ﵁. يتناوب مع جاره
_________________
(١) (٦/ ٢٦٦٧) ٦٨٨١.
(٢) شرف أصحاب الحديث (١/ ٢٧).
[ ٥٧ ]
الأنصاري لحضور مجلس رسول الله -ﷺ-، فيذهب أحدهم لطلب الرزق لكفاية أهله، ويبقى الآخر لطلب العلم لنجاة نفسه وأهله، فيخبر كل منهما صاحبه بما لم يحضره، وعليه بوّب البخاري: «باب التناوب في العلم» (^١).
وفاق ابن عبّاس قرناءه، وصار حبر الأمّة لما جدّ واجتهد في حفظ السنن، يقول ﵁: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله -ﷺ- من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن المغازي، وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا آتي أحدًا إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله -ﷺ-».
ورحل جابر بن عبد الله - ﵁. مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس - ﵁. في حديث واحد، أخرج المقدسي في المختارة (^٢) أنّ جابر بن عبد الله بلغه حديث عن رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- سمعه من رسول الله -ﷺ- لم يسمعه منه، فابتاع بعيرا فشد عليه رحله، فسار إليه شهرا حتى أتى الشّام، فإذا هو بعبد الله
_________________
(١) (١/ ٤٦).
(٢) (٩/ ٢٥).
[ ٥٨ ]
بن أنيس الأنصاري، فأرسل إليه أنّ جابر على الباب، قال: فرجع إليه الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ قال: نعم، فجاء إليه فاعتنقه، وقال له جابر: حديثة بلغني أنك سمعته من رسول الله في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله يقول: «يحشر الله العباد عراة غر بهما ».
ورحل أبو أيّوب الأنصاري - ﵁. من المدينة إلى عقبة بن عامر - ﵄. وهو في مصر ليروي عنه حديثا لم يبق أحد سمعه من رسول الله إلا هو، وهو قوله ﵊: «من ستر على مسلم ستره الله يوم القيامة» (^١).
وقال سعيد بن المسيب: «كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد»
أيها الكريم انظر إلى علو همّتهم في الطلب، كيف رحلوا الليالي والأيام لطلب حديث واحد، وقارن بينهم وبين همّتك، الكتب عن يمينك وشمالك، وتأتيك دروس الحديث إلى بيتك، فإلى متى ترغب عن الطلب وتتشاغل عن حفظ السنن؟!!
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٥٣).
[ ٥٩ ]
أترضى أن يسبقك القوم، وأنت في مؤخرة الركب وينالوا قرب المجلس من الرسول -ﷺ-؟؟! ولم يؤخّرك إلا عملك، فالبدار البدار ..
وإن سألت عن حفظهم الأحاديث النبويّة، فقد قال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. أي: مليونًا. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب».
وقال سليمان بن شعبة: «كتبوا عن أبي داوود أربعين ألف حديث وليس معه كتاب»
وقال الشافعي: «حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين»
وإن سألت عن قراء قم في كتب الحديث، فقد جاء في ترجمة الفيروزبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيّام بدمشق وأنشد:
قرأت بحمد الله جامع مسلم … بجوف دمشق جوف الإسلام
وتمّ بتوفيق الإله وفضله … قراءة ضبط في ثلاثة أيام
[ ٦٠ ]
وقرأ الحافظ ابن حجر في رحلته الشامية «معجم الطبراني الصغير» في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، ويشتمل هذا الكتاب على نحو ألف وخمسمائة حديث ..
فارسم. أعانك الله. لك منهجًا في طلب الحديث وعلومه، فإنك إن أتقنت هذا الفنّ ستجد نفعه في دنياك وآخرتك متى أخلصت الطلب، وستفوق قرناءك، وفي إمام أهل السنة والجماعة، وإمام المحدثين مؤلف الكتاب الذي هو أصحّ الكتب بعد كتاب الله، البخاري لك سلف، فهل ستكون خير خلف؟؟!
فابدأ بالأربعين للنووي، ثم عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ المرام لابن حجر، والمنتقى للمجد ابن تيمية،. رحمهم الله تعالى. ثم ادخل في قراءة الأمهات الست وغيرها، مع العناية بشروح كل كتاب ..
وإن رُمت أبواب الأدب فاقرأ «الأدب المفرد» للبخاري، وإن طلبت السير ومعرفة المغازي فمختصر السيرة النبوية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو الرحيق المختوم للمباركفوري فقد أجاد صاحبه فيه وأفاد ..
وإن أردت معرفة أحاديث الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال
[ ٦١ ]
فكتاب المنذري «الترغيب والترهيب» وقد عمل الألباني - ﵀ - على أحاديثه في كتابه صحيح الترغيب والترهيب وضعيفه ..
وفي أدب طلب الحديث اقرأ «الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع» للبغدادي ..
وفي حقوق المصطفى -ﷺ- عليك بقراءة «الشفا» للقاضي عياض …
وتأمّل حنين الجذع لحديثه -ﷺ-، فوا حسرتاه لقلبك إن حنّ الجذع إليه، ولم تحدث نفسك يوما بسماع حديثه!!!
أخرج ابن خزيمة (^١) من حديث أنس - ﵁ - أنّ رسول الله -ﷺ- كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فيخطب، فجاء رومي، فقال: ألا نصنع لك شيئا تقعد، وكأنّك قائم؟ فصنع له منبرًا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد النبي -ﷺ- على المنبر خار الجذع خوار الثور حتى ارتجّ المسجد بخواره حزنًا على رسول الله -ﷺ-، فنزل رسول الله -ﷺ- من المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه سكت، ثم قال: «والذي نفسي بيده لولم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة» حزنا على رسول الله -ﷺ-، فأمر به
_________________
(١) (٢/ ١٤٠) ١٧٧٧.
[ ٦٢ ]
فدُفِن، وفي خبر جابر قال النبي -ﷺ-: «إن هذا بكي لما فقد من الذكر» صححه الألباني (^١) ..
يقول الحسن البصري: «يا معشر المسلمين،، الخشبة تحنّ إلى رسول الله -ﷺ- شوقا للقائه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه» (^٢)