يقول تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
وقد حوت الآية حقوقا ثلاثة لرسول الله -ﷺ-: الإيمان به وقد مضى، وتعزيره سيأتي، وإليك معني توقيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كلّ ما يخرجه عن حد الوقار» (^٣)
فالتوقير معناه التعظيم، والإجلال والتفخيم (^٤) ..
ومعلوم أنّ حقوق رسول الله -ﷺ-، أَجَلُّ، وأعظم، وأكرم، وألزم
_________________
(١) الصحيحة (٥/ ٢٠٦) ٢١٧٤.
(٢) صحيح ابن حبّان (٤/ ٢٣٧).
(٣) الصارم المسلول (٤٢٢).
(٤) تفسر الطبري (٢٩/ ٧٥).
[ ٦٣ ]
علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، فحقّ علينا أن نحبه ونجله أكثر من إجلال كل عبد سيّده، وكلّ ولد والده، وبمثل هذا نطق القرآن الكريم ..
يقول تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، يقول شيخ الإسلام: «خصّ الله نبيّه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد … ولكن يقولوا: يا رسول الله، وكيف يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قطّ بل يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ مع أنه سبحانه قال: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ وقال: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ وقال: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ أما إذا كنا في مقام الإخبار عنه، قلنا: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله» فنخبر عنه باسمه كما أخير الله سبحانه عنه فقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾
[ ٦٤ ]
فالفرق بين مقام المخاطبة والإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل (^١) ..
واقرأ سورة الحجرات ترى وجوب مراعاة الآداب النبوية مع رسول الله -ﷺ- يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فأول أدب: تحريم التقدّم بين يديه بكلام حتّى يأذن، ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يسأل الصحابة عن اليوم الّذي هم فيه، والمكان الّذي هم فيه، وهم يعلمونه حقّ العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم، خشية أن يكون في قولهم تقدّم بين يدي الله ورسوله، وحديث خطبة النحر في حجّة الوداع أكبر شاهد على هذا ..
الثاني: حرّم رفع الصوت فوق صوت النبيّ، وأن يجهر له بالقول
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩٧) باختصار.
[ ٦٥ ]
كما يجهر الرجل المخاطبة من عداه، وهذا في حياته وبعد مماته -ﷺ-» (^١) وسمع عمر بن الخطّاب ﵁. صوت رجلين في مسجد النبي -ﷺ- قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لوكنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا (^٢) ..
قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره كما كان يكره في حياته ﵊؛ لأنه محترم حيًّا وميّتًا
وحذرهم إن هم فعلوا ذلك ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ..
وكان عبد الرحمن ابن مهدي إذا قرأ حديث النبي -ﷺ- أمرهم بالسكوت وقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ويتأوّل أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله (^٣) ..
فاحذر أن ترفع صوتك عند نقل حديثه، أوفي مسجده، أو تذكره كذكر آحاد الناس، وقد جاءت سورة الحجرات بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي -ﷺ- وإظهار رفعة قدره المنيف وسموّ منزلته -ﷺ-
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٨).
(٢) البخاري (١/ ١٧٩) ٤٥٨.
(٣) الشفا (٢/ ٢٨).
[ ٦٦ ]
فوق كلّ منزلة أحد من الخلق ليستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره -ﷺ- وتوقيرًا يجلّي رفيع قدره، وعظيم مقامه …
ومن عظيم شأن رسول الله -ﷺ- أن حذّر الله من إيذائه أشدّ التحذير فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ..
فانظر كيف قرن الله أذى رسوله بأذاه فمن آذاه فقد آذى الله، ومن آذى الله كفر، وتأمّل تفريقه سبحانه بين أذى الله ورسوله وأذى المؤمنين فجعل على هذا البهتان والإثم المبين، وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب المهين ومعلوم أنّ أذى المؤمنين من كبائر الإثم وليس فوق ذلك إلا الكفر، ثمّ إن سبّ الرسول -ﷺ- تتعلق به حقوق عدّة:
١/ حق الله سبحانه، لأن الطعن في الرسول طعن في المرسل، ولأن مبارزة رسول الله -ﷺ- مبارزة لأفضل أولياء الله ..
٢/ حق المؤمنين من هذه الأمة، لأنّ جميع أمور المؤمنين في دينهم
[ ٦٧ ]
ودنياهم وآخرهم قامت بواسطته وسفارته، فالسبت له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم …
٣/ حقّ رسول الله -ﷺ- من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر ممّا يؤذيه أخذ ماله (^١) ..
إلى كلّ من لم يوقره -ﷺ- حقّ توقيره، أو آذاه بردّ سنته، أو الوقوع في عرضه وشرعته، ويل أمّه كيف تعلّقت ثلاثة حقوق في رقبته؟؟!!!!
وقد فطن السلف الصالح لهذا الأمر، فالتزموه قولا وعملا في حياته وبعد مماته، وما أبلغ ما قاله عروة ابن مسعود - ﵁. في وصف أصحابه حين وجهته قريش إلى رسول الله -ﷺ- يوم الحديبية، فلمّا رجع إلى قريش قال: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله إن انتخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه، وإذا
_________________
(١) الصارم المسلول (٣٩٢ - ٣٩٤) باختصار.
[ ٦٨ ]
تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا (^١) ..
ويطالعك دائمًا في وصف صحابته. رضوان الله عليهم. في مجلسه «كأنّ على رؤوسهم الطير» توقيرًا له ..
وأخرج البيهقي (^٢) عن بريدة بن الحصيب. ﵁. قال: «كنّا إذا قعدنا عند رسول الله -ﷺ- لم نرفع رؤوسنا إليه إعظامًا له» ..
وأخرج البخاري وصحّح الألباني (^٣) عن أنس «أن أبواب التي كانت تقرع بالأظافير».
ولما بعثت قريش أبا سفيان إلى رسول الله -ﷺ- ليشدّ في عقد صلح الحديبية ويزيد في المدّة، فلمّا قدم المدينة ودخل على ابنته أمّ حبيبة، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله -ﷺ- طوته، فقال: يا بنيّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عتي؟؟ فقالت: هو فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، ولما رجع أبو سفيان لأهل مكّة قال لهم: وقد تتبّعت أصحاب
_________________
(١) البخاري (٢/ ٩٧٦).
(٢) المدخل إلى السنن (٣٨١).
(٣) صحيح الأدب المفرد (١٠٨٠).
[ ٦٩ ]
محمّد فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له ..
ولا تعجب لحال أصحاب محمد -ﷺ- فإنه كان أرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأنفعهم لهم، أفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة، وأصيرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه وأشد الخلق ذبا عن أصحابه، وحماية لهم، ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، أوصل الخلق رحمة، وأجودهم صدرة، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه ..
وقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما: الإجلال والمحبة، فكان كل من يراه يهابه ويحله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالا وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المحل المعظم، المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقترن بالتعظيم والهيبة (^١) ..
_________________
(١) ينظر: جلاء الأفهام (٨٩).
[ ٧٠ ]
واستمرّت محبته -ﷺ- عند أصحابه ومن تبعهم بإحسان بعد مماته فكان أحدهم يغضب على أقرب الناس إليه إن خالف قوله -ﷺ-، فهاهو ابن عمر، ﵁. يحدّث عن حبّه فيقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استئذنكم إليها» فيعترض أحد أبنائه بلال على أنّ الزمن تغيّر، ونساءه اختلفن فيقول: والله لنمنعهنّ، وفي رواية: لا ندعهنّ يخرجن، فيتخذنه دغلًا،، فما موقف أبيه؟! يقول الراوي: فسبّه عبد الله سبّا سيّئًا ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله -ﷺ- وتقول: والله لنمنعنّ؟؟!! وفي رواية: فضرب في صدره (^١) .. وعند أحمد (^٢): فما كلّمه عبد الله حتّى مات ..
وكيف لا يكون هذا موقف ابن الفاروق؟؟! والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وأخرج ابن ماجة وصحّح الألباني (^٣) أن قريبًا لعبد الله بن
_________________
(١) مسلم (١/ ٣٢٨) ٤٤٢.
(٢) (٢/ ٣٦) ٤٩٣٣.
(٣) (٢/ ١٠٧٥) ٣٢٢٦.
[ ٧١ ]
معقل - ﵁. خذف فنهاه وقال: «إن النبي -ﷺ- نهى عن الخذف (^١) وقال إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» وعاد قريبه للخذف أخرى فقال له عبد الله: «أحدثك عن رسول الله ثم تعود، لا أكلمك أبدا»
وجاء عن عدد من الأئمّة أنّهم كانوا لا يحدّثون عن رسول الله -ﷺ- إلا على وضوء، منهم: قتادة، وجعفر بن محمّد، ومالك ابن أنس، والأعمش، بل صار ذلك مستحبّا عندهم وكرهوا خلافه، يقول ضرار ابن مرّة: «كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله وهم على غير وضوء» (^٢).
وقال أبو سلمة الخزاعي: «كان مالك ابن أنس إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوئه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أعظم به حديث رسول الله -ﷺ-»، وقال ابن أبي الزناد: «كان سعيد بن المسيّب وهو مريض يقول: أقعدوني، فإني أعظم أن أحدث حديث رسول الله -ﷺ- وأنا مضطجع»
_________________
(١) الخذف: الرمي بالحصى الصغار، النهاية (٢/ ١٦).
(٢) جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبرّ (٢/ ١٢١٧).
[ ٧٢ ]
وكان محمّد ابن سيرين يتحدّث فيضحك فإذا جاء الحديث خشع (^١) ..
وسُئل مالك عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيّوب أوثق منه، قال مالك: وحجّ حجّتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه غير أنّه كان إذا ذكر النبي -ﷺ- بكى حتى أرحمه فلمّا رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبيّ كتبت عنه …
وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي -ﷺ- تغيّر لونه، وينحني حتّى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون (^٢) ..
وكان عبد الرحمن ابن القاسم يذكر النبيّ -ﷺ- فينظر إلى لونه كأنّه نزف منه الدّم، وقد جفّ لسانه في فمه، هيبة لرسول الله -ﷺ-، وكان يأتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذُكر عنده النبي -ﷺ- بكى حتّى لا يبقى في عينيه دمعة ..
نزف البكاء دموع عينك فاستعر … عينًا لغيرك دمعها مدرار
_________________
(١) الجامع للخطيب (٢/ ٥٣).
(٢) السير (١٧١٦).
[ ٧٣ ]
وكان الزهري من أهنأ النّاس فإذا ذُكر عنده الرسول -ﷺ- فكأنه ما عرفك ولا عرفته (^١) ..
ولم يك التوقير مقتصرًا على الإنسان فحسب بل كان للحيوان أدب جم معه -ﷺ- فعن عائشة. ﵂. قالت: «كان لآل رسول الله -ﷺ- وحش، فإذا خرج رسول الله -ﷺ- لعب واشتدّ، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله -ﷺ- دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله -ﷺ- في البيت كراهية أن يؤذيه» أخرجه أحمد (^٢) وصحح إسناده ابن كثير (^٣) ..
وعن سفينة مولى رسول الله -ﷺ- قال: «ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد، فأقبل إليّ يريدني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله -ﷺ- كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد وطأطأ رأسه ودفعني بمنكبه حتّى أخرجني من الأجمة، ووقفني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني» رواه الحاكم وصحّحه على شرط مسلم،
_________________
(١) الشفا (٥٩٨).
(٢) المسند (٦/ ١١٢) ١٥٠.
(٣) شمائل رسول الله ﷺ (٢٨٣).
[ ٧٤ ]
ووافقه الذهبي (^١) ..
يقول ابن سيد الناس:
والليث أذوى في سفينة مفردا … بالروم في فيفاء قفر بلقع
ما زال يكلؤه إلا أن دلّه … عند الأمان على سواء المشرع
وحقّ لي أن أتسائل بعد هذا كلّه: أين نحن من سيرة القوم؟! وأين حالنا من حالهم؟!
لقد قام في قلوبهم ما قصرت هممنا على أن تقوم بأقلّه، وأحيوا في شعورهم ما ماتت مشاعرنا دونه، وتعلّقت أبصارهم فيما وراء الطرف في حين لم تتجاوز أبصارنا أطرافنا، ألا رجل أو امرأة لم تقعد بهم همتهم، ولم يتأخر بهم عملهم؟؟ ألا صادق يترحم المحبّة قولًا وعملًا وغيرة؟؟!
وإلا
فكلٌّ يدّعي وصلًا بليلى … وليلي لا تقر لهم بذاكا
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٦٠٦).
[ ٧٥ ]
أين توقير رسول الله -ﷺ- في قلوب الحلق باستشعار هيبته -ﷺ- وجلالة قدره وعظيم شأنه واستحضار محاسنه والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله، وكلّ ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرة لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفًا به ومطيعًا له فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع فمتى ما كان تعظيم النبي -ﷺ- مستقر في القلب مسطورًا فيه على تعاقب الأحوال، فإنّ آثتر ذلك ستظهر على الجوارح حتمًا لا محالة، وحينئذ ستجد اللسان يجري بمدحه والثناء عليه بما هو أهله مما أثني به عليه ربّه، وأثني على نفسه من غير غلوّ ولا تقصير، ومن أعظم الثناء ﵊ عليه، فالصلاة منّا عليه تتضمن ثناء المصلّي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله، وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره (^١) ..
ومن تعظيم اللسان أن نتأدب بذكره بألسنتنا، وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الصلاة والسلام عليه، ومن تعظيم اللسان حفظ ستته وتبليغها والدعوة إليها، وأما تعظيم الجوارح فالعمل بشريعته والتأسّي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرًا وباطنًا وتحكيم ما جاء به في الأمور كلّها، والرضا بحكمه والتسليم له، والموالاة والمعاداة لأجله، وجهاد من خالفه ..
_________________
(١) جلاء الأفهام (٧٩) ..
[ ٧٦ ]
فأين توقير الرسول -ﷺ- عند من ابتدع في دين الله ما ليس منه زاعما أنه محب مشتاق، وغفل عن قول رسول الله -ﷺ-: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقوله «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فإلى من أحيا ليلة المولد، ومن اجتمع في الحفلات ضاربا الدف على المدائح النبويّة (^١)، علام تفعل ما لم تؤمر به؟؟! وتخلف أمر رسول الله -ﷺ- حيث أمرك بالإتباع، وترك الإبتداع، وأنت تزعم حبه، وهل لوكان خيرا لسبقت إليه القوم؟! فتأمل حالك، والزم هدي نبيك فإن بالتمسك به النجاة، وبتركهـ الهلاك، هداك الله ووفقك وأعانك وسددك ..
وأين رسول الله -ﷺ- في مجالسنا حين يذكر، وأين الصلاة والسلام عليه عند مرور اسمه الشريف، وكيف تقدم آراء الرجال على قوله مع أن الله في أن نقدم بين يدي الله ورسوله فقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فتقول قال فلان وقال فلان، وكان ابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبوبكر وعمر قائلا له: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء،
_________________
(١) أشيد بكتاب «حقوق النبي -ﷺ- بين الإحلال والإدخال» تقديم فضيلة الشيخ د. صالح الفوزان - حفظه الله - والذي صدر من المنتدى الإسلامي فقد حوى كتابين هامين: مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي، وظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي .. فطالعه فإن فيه فوائد لا يستغني عنها طالب علم.
[ ٧٧ ]
أقول قال رسول الله -ﷺ-، وتقولون قال أبوبكر وعمر (^١)؟؟!» فرحم الله ابن عباس ﵁ فوالله لوشاهد خلفنا اليوم هؤلاء الذين إذا قيل لهم قال رسول الله قالوا: قال فلان وفلانة لمن لا يداني الصحابة، ولا قريبا من قريب. وقد قال الشافعي: «إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فخذوا به، واضربوا بقولي عرض الحائط» (^٢).
أين توقير رسول الله والواحد منا يحفظ آلاف الأبيات ولا يحفظ أربعين حديثا من أحاديثه؟!!
أن توقير رسول الله -ﷺ- حين يشكك في قوله أو ينزل على عصره وكأنه لم يبعث رحمة للعالمين وكافة للناس ..
أين توقير رسول الله -ﷺ- حين يروي الضعيف من الحديث ويترك الصحيح، وتتبع شواذ الأحاديث وموضوعاتها وتنشر مع أن في الأحاديث الصحيحة غنية، أخرج ابن ماجة، وصحح الألباني (^٣) من حديث علي - ﵁ - عن النبي -ﷺ- قال: «من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»
_________________
(١) أعلام الموقعين (٢/ ٢٣٨).
(٢) الطرق الحكمية (٦/ ٢٧).
(٣) (١/ ١٤) ٣٨.
[ ٧٨ ]
أين توقير رسول الله -ﷺ- حين يتلاعب بمعاني الأحاديث النبوية بحجة قراءة النص أكثر من قراءة، وتوسيع مفاهيم النصوص من جاهل لا يمتلك أدوات الاجتهاد فضلا عن شروطه ..؟!!!
يقول ابن القيم - رحمة الله -: «ومن الأدب معه ألا يتشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل قدر الأقيسة، وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم! هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب مع ﷺ، بل هو عين الجرأة (^١) ..
دعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر
أين توقير رسول الله -ﷺ- وأنت ترى في مسجده، وعن حجرته رفع الصوت، واللغط، والاشتغال بقيل وقال، كأن الحرم ليس حرمه، وكأن عمر بن الخطاب لم يهم بضرب الطائفين على رفعهما لصوتهما، ولن يضربهما إلا عن مخالفة، فتنبه إن كنت في مسجده، وأحسن جواره، واحذر أن يحبط عملك وأنت لا تشعر، وحذر من رأيته غلا في شخصه فدعاه من دون
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٠٦).
[ ٧٩ ]
الله عند قبره، أو تمسح بجدار الغرفة؛ لأنه أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تراه هو عين المحادة لأمره.
أيها المحبون لقد تباعد بنا الزمن، واستنسرت الفتن، واشتغل الأكثرون بالحطام من المهن، وغاب عنا الحب وإن ادعيناه، ونسينا الواجبات فكانت من أحاديث الذكريات، نتحدث عن الهدي النبوي ولكمن أين هو الحاد في الاتباع، الصادق في الاقتفاء؟!!!!