يقول الله تعالى آمرًا المؤمنين في حق رسول الله -ﷺ-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
يقول شيخ الإسلام: «فالتعزير اسم جامع لنصره، وتأييده، ومنعه من كل يؤذيه (^١)» وقد حكم الرب بفلاح من نصره وعزره بعد أن وصفه بالإيمان فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
ومن أعظم دلائل المحبة والإجلال نصرة رسول الله -ﷺ-، يقول تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ فالصادق في دعوى محبته من برهن عليها ببذل ماله وأهله ونفسه
_________________
(١) الصارم المسلول (٤٢٢).
[ ٨٠ ]
ولنصرة الله ورسوله ..
ولقد سطر الصحابة رضوان الله عيهم أروع الأمثلة وأصدق الأعمال في الذبِّ عن رسول الله -ﷺ-، وفدائه بالمال والولد والنفس، في المنشط والمكره والعسر واليسر، وكتب السير عامرة بذكر أخبارهم وحسبي من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن السوار ما أحاط بالمعصم، وإليك بعض روائع سيرهم ..
- أبوبكر يبكي يوم الهجرة حين لحق سراقة بن مالك برسول الله -ﷺ- وأبي بكر، فيسأله رسول الله -ﷺ-: «لم تبكي؟» يقول: «أما والله ما على نفسي أبكي ولكن أبكي عيك» فدعا رسول الله على سراقة فقال: «اللهم اكفناه بما شئت» فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلدا (^١)، بل كان أبوبكر ينتقل عن يمين وشمال وخلف وأمام رسول الله -ﷺ- فتعجب رسول الله -ﷺ- من فعله، فسأله عنه، فقال - ﵁: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأكون أمامك، ومرة عن يمينك، ومرة عن شمالك، لا آمن عليك، فقال له النبي -ﷺ-: «يا أبا بكر لوكان شي لأحببت أن يكون بك دوني؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق (^٢) ..
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٥٥) ٣، وصحّح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
(٢) البداية والنهاية (٣/ ١٨٠).
[ ٨١ ]
ولما وصل رسول الله -ﷺ- إلى الغار، وأراد أن ينزل فيه قال له الصديق: مكانك حتى أتبرئ لك، فإن كان به أذى نزل بي قبلك، فنزل فتحسس من الغار فلم يجد به شيئا، فنزل رسول الله وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه فما أن دخلا حتى توسد رسول الله -ﷺ- قدم أبي بكر ونام، وكان الصديق يأخذ من ثوبه ويسد أي جحر مخافة أن يكون فيه شيء من الهوام فتؤذي رسول الله -ﷺ- فتبقى منها حجر فألقمه عقبه، وكانت به حية فلدغته، فمنعه مكان رسول الله -ﷺ- أن يتململ، ولكن الألم اشتد به، وتحدرت دموعه، فسقطت على وجه رسول الله فاستيقظ، فقال «مالك يا أبا بكر؟» قال: لدغت. فنفث عليها رسول فبرئت بإذن الله (^١) …
وقاتل طلحة بن عبيد الله قتال أحد عشر رجلا كانوا حول رسول الله -ﷺ- وقتلوا في سبيل الله حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال «حس» (^٢) فقال رسول الله -ﷺ-: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون» (^٣)
أي قوم أولئك القوم أحد عشر رجلا كلهم يفدي حبيبه -ﷺ-
_________________
(١) شرح المواهب اللدنية (١/ ٤٠٤).
(٢) حس: بكسر السين والتشديد، كلمة يقولها الإنسان عند التوجّع الألم، النهاية (١/ ٣٨٥).
(٣) أخرجه النسائيّ، وحسنه الألباني، صحيح سنن النسائي (٢/ ٦٦١) ٢٩٥١.
[ ٨٢ ]
بنفسه، ويبقى الثاني عشر طلحة بن عبيد الله يقاتل قتال الأحد عشر وتشل يده لكثرة ما وقى بها رسول الله -ﷺ-، أخرج البخاري (^١) عن قيس قال: «رأيت يد طلحة شلاء، وقي بها النبي -ﷺ- يوم أحد». بل وأصيب ﵁ ذاك اليوم ببضع وسبعين طعنة ورمية وضربة، ولذا قال عنه أبوبكر «ذلك كله يوم طلحة» (^٢) ..
وها هو أبو طلحة يقي رسول الله بنفسه يوم أحد، يقول أنس: «لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي وأبو طلحة بين يدي النبي -ﷺ- مجوب عليه (^٣) بجحفة» وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول رسول الله -ﷺ- له: «انشرها لأبي طلحة» ويشرف رسول الله -ﷺ- ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف، يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك» (^٤).
و«نحري دون نحرك» إما خبر عنه ﵁ أي: أقف أمامك بحيث إن السهم إذا جاء يصيب نحري ولا يصيب نحرك. أو أنه قصد الدعاء، أي: جعل الله نحري أقرب إلى السهام من تحرك،
_________________
(١) (٧/ ٣٥٩) ٤٠٦٣.
(٢) منحة المعبود (٢/ ٩٩) ٤٤١٠.
(٣) مجوب: أي مترس عنه ليقيه سلاح الكفار، شرح النووي (١٢/ ١٨٩).
(٤) البخاري (٧/ ٣٦١) ، مسلم (٣/ ١٤٤٣) ١٨١١.
[ ٨٣ ]
لأصاب دونك (^١) …
وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد لما انكشف المسلمون: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم فاستقبله سعد فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس بن مالك:
فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه (^٢)
وكان لأم عمرة نسيبة بنت كعب موقف مشهود يوم أحد حتى قال رسول الله عنها " التفت يمينا وشمالا إلا وأراها تقاتل دويني " ووقفت في وجه ابن قمئه لما جاء باحثا عن رسول الله قائلا: "لا نحوت إن نجا " حتى ضربها ضربة في عاتقها، أصابت جرحا أجوف له غور، ليبقي هذا الجرح للأمة دور المرأة في نصرة رسول الله والذب عنه ..
وها هو شيخ الإسلام يؤلف كتابا على اسمه الصارم المسلول للتصدي
_________________
(١) ينظر: عمدة القارئ (١٦/ ٢٧٤)، هامش صحيح مسلم لمحمّد فؤاد (٣/ ١٤٤٣).
(٢) البخاري (٣/ ٣٠٥).
[ ٨٤ ]
لشتائم الرسول ولنصرة رسول الله -ﷺ- والذب عن شريعته ..
ولا تحسب أن النصرة مقصورة على الإنسان بل كان للحيوان دور عظيم في الدفاع عنه -ﷺ-، فقد أخبرته الذراع التي قدمتها اليهودية ضيافة له -ﷺ-، فلما أكل رسول الله وأكل القوم قال لهم: «ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة» (^١)
بل ضنت شاة ذبحت بغير إذن أهلها برسول الله أن يأكل من لحم مشبوه، أخرج أبو داوود عن رجل من الأنصار أن امرأة دعت رسول الله -ﷺ- فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله -ﷺ- يلوك لقمة في فمه. ثم قال «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع ليشتري لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: إن أرسل لي بثمنها، فلم يجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله: «أطعميه الأسارى» (^٢).
وفي خبر الشاة عبرة للمعتبر؟!!!
_________________
(١) أخرجه أبو داوود، وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح سنن أبي داوود (٤/ ١٧٤) ٤٥١٢ وأصله في الصحيحين.
(٢) أخرجه أبو داوود، وصحّحه الألباني، صحيح سنن أبي داوود (٣/ ٢٤٤) ٣٣٣٣.
[ ٨٥ ]
بقي رسالة لابد - حفظك الله - أن تصلك، وهي أن الله ناصر نبيه لا محالة، لأن قوله تعالى صدق يقول: (إلا تنصروه فقد نصره الله) ويقول (إنا كفيناك المستهزئين) فما كاد رسول الله أحد إلا عوقب شر عقاب، والسير طافحة بخير كفاية الله لرسوله؛ لكن اختبار من الله ليعلم من ينصره ورسله بالغيب، والواقع يبرهن لك انقسام الناس حيال هذا الاختبار إل صادق في حبه أو خلاف ذلك ..
وإليك نماذج أذكرها لك لتطيب نفسك، ويطمئن خاطرك بقرب نصر الله لنبيه وإجزال الثواب لك في صدق نيتك وعظيم غيرتك، أخرج البخاري (^١) من حديث أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي -ﷺ- فعاد نصرانيًّا. عند مسلم. «فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه» فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له،. وعند مسلم. «قالوا: كان هذا يكتب لمحمد فأعجبوا به»، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا من فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا من فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه» ..
يقول شيخ الإسلام: «فهذا الملعون الّذي افترى على النّبيّ أنه
_________________
(١) (٣/ ١٣٢٥) ٣٤٢١.
[ ٨٦ ]
ما كان يدري إلا ما كُتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من قبره بعد أن دفن مرارا وهذا أمر خارج عن العادة، يدلُ على أنّ هذا عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا، إذ عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من الإرتداد، إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا وأن الله منتقم لرسوله من طعن فيه وسبه، ولكذب الكاذب إذا لم يمكن للناس أن يقيموا عليه الحد» (^١) وذكر القاضي عياض (^٢) قصة عجيبة لساخر بالنبيّ، وذلك أن فقهاء القيروان وأصحاب سحنون أفتوا بقتل ابراهيم الفزاري، وكان شاعرًا متفنّنًا في كثير من العلوم وكان يستهزأ بالله وأنبيائه ونبينا محمد -ﷺ- فأمر القاضي يحيى بن عمر بقتله وصلبه، فطُعن بالسكين وطلب منكّسًا ثم أنزل، وحكا بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيادي، استدارت وحولته عن القبلة، فكان آية للجميع، وكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه» … بل إن الله لينصر أوليائه على أعدائه إذا نال الأعادي من حبيبنا، يقول شيخ الإسلام في «الصارم المسلول» (^٣) بعد أن ذكر تجارب بخصوص ما لحق من سب رسول الله: «ونظير هذا ما
_________________
(١) الصارم المسلول (٢٣٣).
(٢) الشفا (٢/ ٢١٨).
(٣) (٢/ ٢٣٣).
[ ٨٧ ]
حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مترات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشّامية لما حصر فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنّا نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا، حتى نكاد نياس منه حتى إذا تعرض أهله لسبّ رسول الله -ﷺ- والوقيعة في عرضه تعلنا فتحه وتيسّر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتّى إنّا كنّا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيهم مع امتلاء القلوب غيظًا بما قالوه فيه» ..
وبعدما تقدّم أذكّرك وجوب النصرة لنبيّه وإلا تنصره فإن الله ناصره، ونصرتك لرسول الله -ﷺ- إما دفع أو رفع، والأولى منهما تكون بتعليم الناس سنته وتعريفهم به، ودعوهم إلى الإيمان برسالته، والثاني منهما يكون بالدفاع عن شخصه الكريم -ﷺ- وعن أقواله بتمييز صحيحها من سقيمها ورد شبهات المبطلين حولها، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الإستهزاء بما جاء به رسول الله -ﷺ- عن ربه من مسلمات كالحجاب واللحية ورفع الإزار فوق الكعبين، والأمر بموالاة من ولي الله ورسوله، ومعاداة من عادي الله ورسوله ..
[ ٨٨ ]
والإستهزاء بالسنة الصحيحة الثابتة كفر يخرج من الملة (^١)، قال تعالى: الآلات ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ واعلم. وفقك الله. أن التهاون في الذب عن رسول الله وشريعته من الخذلان الذي يدل عليه ضعف الإيمان، أو زواله بالكلية فمن ادعى الحب ولم تظهر عليه آثار الغيرة على حرمته وعرضه وستته فهو كاذب في دعواه، إذ لوكان صادقا لانتصر، قال محمد ابن المرتضى: إن المحامي عن الستة الذات عن حماها، كالمجاهد في سبيل الله، يعد للجهاد ما استطاع من والعدة والقوة، كما قال سبحانه ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وقد ثبت في الصحيح أن جبريل كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله في أشعاره، فكذلك من ذب عن دينه وستته من بعده إيمانا به وحبا ونصحا له (^٢) ..
_________________
(١) انظر تفاصيل المسألة في ال صارم المسلول على شاتم الرسول.
(٢) إيثار الحق على الخلق (٢٠).
[ ٨٩ ]