قال ابن إسحاق: "ووقعت هند بنت عتبة، كما حدثني صالح بن كيسان، والنسوة اللاتي معها يُمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله - ﷺ - يُجدّعْن الآذان والأُنُف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأُنفهم خَدمًا (*) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيًا، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها .. (١) ".
وصالح بن كيسان ثقة، من رجال الجماعة، وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، لكن الخبر مرسل.
ثم قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله - ﷺ -، فيما بلغني، يتلمّس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومُثّل به، فجُدع أنفه وأُذناه. فحدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير أنّ رسول الله - ﷺ - قال حين رأى ما رأى."لولا أن تحزن صفية (**)، ويكون سُنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأُمثلنّ بثلاثين رجلًا منهم" فلما رأى المسلمون حزن رسول الله - ﷺ - وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا. والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر لنمثلنّ بهم مُثلة لم يمثلها أحد من العرب (٢) ". والخبرمرسل.
ثم قال ابن إسحاق."وحدثني بُريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمَّد بن كعب القُرَظي، وحدثني من لا أتّهم عن ابن عباس، أن الله ﷿ أنزل في ذلك، من قول رسول الله - ﷺ - وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
_________________
(١) (*) جمع خَدَمة، وهو الخلخال (لسان العرب، مادة: خدم).
(٢) الروض الأنف (٦/ ١٥). (**) صفية بنت عبد المطلب، أخت حمزة -﵀- الذهبي: "الصحيح أنه ما أسلم من عمات النبي - ﷺ - سواها". (السير ٢/ ٢٧٠).
(٣) الروض الأنف (٦/ ٢٠).
[ ١٤٧ ]
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ فعفا رسول الله - ﷺ -، وصبر، ونهى عن المُثلة (٣) ".
وذكرها ابن كثير في (البداية) عن ابن إسحاق ثم قال: "قلت: هذه الآية مكيّة، وقصة أُحد بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا؟ فالله أعلم (٤) ".
قال الذهبي في (المغازي): "وقال يحي الحمّاني: حدثنا قيس - هو ابن الربيع - عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم قُتل حمزة ومُثّل به: "لئن ظفرت بقريش لأمثلنّ بسبعين منهم". فنزلت: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: "بل نصبر ياربّ". إسناده ضعيف من قِبَل قيس. وقد روى نحوه حجاج بن منهال، وغيره، عن صالح المرِّي -وهو ضعيف- عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، وزاد: فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قطّ أوجع منه لقلبه (٥) ". اهـ
وذكر هذه الرواية الهيثمي في (المجمع) وفيه " ونظر إليه وقد مُثّل به، فقال: "رحمة الله عليك إنْ كنتَ ما علمتُ لوصولًا للرحم فعولًا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها- أمَا والله على ذلك لأمثلنّ بسبعين كميتتك" فنزل جبريل ﵇ على محمَّد - ﷺ - بهذه السورة، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية فَكفَّرَ رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) الروض الأنف (٦/ ٢١).
(٢) البداية والنهاية (٤/ ٤٠).
(٣) المغازي (٢٠٩ - ٢١٠).
[ ١٤٨ ]
وأمسك عن ذلك". ثم قال الهيثمي: "رواه البزّار والطبراني، وفيه صالح بن بشير المري (*) وهو ضعيف (٦) ".
وروى الحاكم في (المستدرك) عن أُبيّ بن كعب -﵀- قال: لما كان يوم أُحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فمثّلوا بهم، وفيهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبناهم يومًا مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله - ﷺ -: "كُفُّوا عن القوم غير أربعة". ثمْ قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي (٧).
قال ابن هشام: "ولما وقف رسول الله - ﷺ - على حمزة قال: "لن أُصاب بمثلك أبدًا. ما وقفتُ موقفًا قطّ أغيظ إليّ من هذا (٨) ". قال الألباني: "حديث لا يصحّ، ذكره ابن هشام بدون إسناد، ولم أجده عند غيره، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير (٤/ ٤٠)، وابن حجر في (الفتح) (٧/ ٢٩٧) ولم يوصلاه (٩) ".
وروى الإِمام أحمد قال: حدثنا عفّان قال: حدثنا حمّاد قال: حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: " فنظروا فإذا حمزة قد بُقر بطنه، وأخذتْ هند كبده فلاكتها، فلم تستطح أن تمضغها، فقال رسول
_________________
(١) (*) في الأصل المزني.
(٢) مجمع الزوائد (٩/ ١١٩). وقد رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١٨) رقم (٤٨٩٤)، وسكت عنه، وأعله الذهبي بصالح المرِّي. وذكره الحافظ في الفتح (٧/ ٣٧١) وأشار إلى ضعفه.
(٣) المستدرك (٢/ ٣٩١، ٤٨٤).
(٤) الروض الأنف (٦/ ٢٠).
(٥) تخريج فقه السيرة (٢٦٤). وقد رواه الواقدي في المغازي (١/ ٢٩٠).
[ ١٤٩ ]
الله - ﷺ -: "أكلتْ شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار (١٠) ". وفيه صلاته على حمزة سبعين صلاة.
قال ابن كثير -﵀- في (البداية): "تفرّد به أحمد، وهذا إسناد فيه ضعف، من جهة عطاء بن السائب، فالله أعلم (١١) ". قال الشيخ الألباني: "وهذا هو الصواب، خلافًا لقول الشيخ أحمد محمَّد شاكر: إنه صحيح، فإنه ذُهل عما ذُكر من سماعه منه في الاختلاط (١٢) ".
وفي المتن نكارة هي: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار" لأن هندًا - ﵁ - أسلمتْ، والإِسلام يجبُّ ما قبله، ثم إنّ الراوي عن ابن مسعود هو عامر بن شراحيل الشعبي، ولا يصح له سماع من ابن مسعود، كما قال ذلك الأئمة: الحاكم، والدارقطني، وأبو حاتم (١٣)، وابن باز (١٤).
وقال ابن كثيرفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ (الآية ١٢٦ من سورة النحل): "وقال محمَّد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلّها بمكة، وهي مكية، إلاّ ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أُحد حين قُتل حمزة - ﵁ - ومُثّل به، فقال رسول الله - ﷺ -: "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين رجلًا منهم" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة. وهذا مرسل، وفيه رجل مُبهم لم يسمّ". ثم قال: "وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدثنا صالح المرَي عن
_________________
(١) المسند (٦/ ١٩١).
(٢) البداية والنهاية (٤/ ٤١).
(٣) حاشية فقه السيرة. ص (٢٦٠).
(٤) تهذيب التهذيب (٥/ ٦٨).
(٥) أقوال سماحة الشيخ عبد الغزيز بن باز في الرجال، للأخ الفاضل الشيخ فهد السنيد. ص ١٩. الطبعة الأولى. دار الوطن.
[ ١٥٠ ]
سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - وقف على حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - حين استشهد ". وذكر الرواية التي نقلها الهيثمي، ثم قال ابن كثير: "هذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحًا هو ابن بشير المرِّي ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث (١٥) ".
وضعّف الحديث الألباني، وقال: "وقد ثبت بعضه مختصرًا من طُرق أخرى، فأخرج الحاكم (٣/ ١٩٦) والخطيب في: (التلخيص) (٤٤/ ١) عن أنس أن رسول الله - ﷺ - مرّ بحمزة يوم أُحد وقد جُدع، ومُثّل به فقال: "لولا أن صفية تَجِدُ لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفّنه في نمرة". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ثم قال الشيخ الألباني: "وسبب نزول الآية السابقة في هذه الحادثة صحيح، فقد قال أُبىّ بن كعب: (لما كان يوم أُحد ) وذكر الحديث (١٦)، وقد سبق. والحديث المذكور قال عنه النووي في (الخلاصة): "رواه أبو داود بإسناد حسن، والترمذي وقال: حسن (١٧) ". وأخرجه أيضًا الإِمام أحمد في مسنده (١٨).
وتمثيل المشركين بشهداء المسلمين يوم أُحد ثابت، كما في البخاري من قول أبي سفيان بعد نهاية المعركة -وكان زعيم المشركين يومها-: "وتجدون مُثلة لمْ آمر بها ولم تسؤني (١٩) ".
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٩٥٣).
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢/ ٢٨) رقم (٥٥٠). وانظر (أحكام الجنائز وبدعها). ص (٦٠)
(٣) الخلاصة (٢/ ٩٤٦) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب الشهيد يغسل (٨/ ٤١٠ عون). والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة (٤/ ٩٦ تحفة).
(٤) الفتح الرباني (١٨/ ١٩٢) وقال الساعاتي عن الحديث: وهو من زوائد عبد الله بن الإِمام أحمد على مسند أبيه - رحمهما الله -.
(٥) باب غزوة أحد (٧/ ٣٥٠ فتح).
[ ١٥١ ]
وقال ابن عبد البر: "وروَوْا آثارًا كثيرة أكثرها مراسيل أن النبي - ﷺ - صلّى على حمزة وعلى سائر شهداء أحد (٢٠) ". وقال ابن حجر: "إن طرق الحديث واهية" (٢١) وذهب الألباني إلى تحسين حديث الصلاة على حمزة - ﵁ - (٢٢). وقد أفاض الشيخ سعد الحميّد -وفقه الله- في تتبّع مرويات الصلاة على حمزة - ﵁ - (٢٣).
_________________
(١) التمهيد ٢٤/ ٢٤٤.
(٢) أجوبة الحافظ ابن حجر على أسئلة بعض تلامذته، ص ٥٤.
(٣) أحكام الجنائز، ص ٦٠.
(٤) مختصر استدراك الذهبي على الحاكم لابن الملقّن. (٤/ ١٧٦٨). ورجح أن الحديث صحيح لغيره.
[ ١٥٢ ]