قال يونس بن بُكيرعن ابن إسحاق قال: حدثني شيخ من أهل مكة (١) قديم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵁ - وذكر قصة طويلة في مفاوضة بين كفار مكة والرسول - ﷺ - " فلما قام عنهم رسول الله - ﷺ - قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، ليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله - ﷺ - ينتظره، وغدا رسول الله - ﷺ - كما كان يغدو، وكان رسول الله - ﷺ - بمكة وقبلته إلى الشام وكان إذا صلى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله - ﷺ - يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله - ﷺ -، احتمل (أبو جهل) الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع متهيبًا (منهزمًا) منتقعًا قد تغير لونه مرعوبًا، قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت (إليه) رجال من قريش فقالوا مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط. فهمّ أن يأكلني" قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله - ﷺ - قال: "ذاك جبريل لو دنا لأخذه (٢) ".
_________________
(١) في الروض الأنف: كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس (٣/ ١٢٢). وفي السيرة للذهبي: شيخ من أهل مصر (ص ١٥٣) وكذا في البداية والنهاية (٣/ ٤٢).
(٢) سيرة ابن إسحاق، تحقيق محمَّد حميد الله ص (١٨٠ - ١٨١). وما بين قوسين من الروض الأنف.
[ ٤٨ ]
وشيخ ابن إسحاق مجهول. قال البيهقي﵀-: "ابن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدّث عنه لم يُفرح به (٣) ".
وذكر الفحل قد ورد في قصة الأراشي، وسندها ضعيف كما سبق.
ومن النكارة في هذه الرواية قول أبي جهل: وإني أعاهد الله! في حين تجد في رواية مسلم الآتية أنه أقسم باللات والعزى. وقد أخرج الحاكم نحوًا من هذه القصة من طريق عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، ثم قال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: فيه عبد الله بن صالح وليس بعمده، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك" (٤). وقد روى مسلم -﵀- في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله - ﷺ - وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا (٥) " ورواه البخاري -﵀- في صحيحه مختصرًا عن ابن
_________________
(١) السنن الكبرى (٤/ ١٣).
(٢) المستدرك (٣/ ٣٦٨).
(٣) كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ استَغْنَى﴾ (سورة العلق) (١٧/ ١٣٩ نووي)
[ ٤٩ ]