افتح، فضلا، سفر" نشيد الإنشاد" ٥: ٩- ١٦، واقرأ: " يم يفوق حبيبك المحبّين أيّتها الجميلة بين النساء؟ يم يفوق حبيبك المحبّين حتّى تستخلفينا هكذا؟ حبيبي متألق وأحمر، علم بين عشرة آلاف رأسه ذهب خالص وغدائره متموّجة حالكة السّواد كلون الغراب. عيناه حمامتان عند مجاري المياه، مغسولتان مستقرتان في موضعهما. خدّاه كخميلة طيب تفوحان عطرا، وشفتاه كالسّوسن تقطران مرّا شذيا. يداه حلقتان من ذهب مدوّرتان ومرصّعتان بالزبرجد، وحسمه عاج مصقول مغشى يالياقوت الأزرق. ساقاه عمودا رخام قائمتان على قاعدتين من ذهب نقي، طلعته كلبنان، كأبهى أشجار الأرز. فمه عذب، وكله مشتهيات. هذا هو حبيبي وهذا هو خليلي يا بنات أورشليم! "
ما جاء في سفر نشيد الإنشاد هو تلخيص لتجارب الأمم من الخروج إلى مجيء النبي الخاتم كما هو مذكور عن كبار أحبار اليهود كسعديّا بن يوسف ورشّي وابن عزرا
النصّ المقتبس من سفر نشيد الإنشاد ٥: ١٦ في أصله العبري:
" هكّو ممتكّيم وكهلّو محمدّيم زه دودي وزه رعي بنوث- يوروشلايم"
dodi we -zeh reI benoth -yerushalayi Hikko mamtaqqim we -khullo Mahamaddim zeh،،
لا بدّ أنّك لاحظت وجود كلمة" محمديم".. وهي تشير كما هو ظاهر إلى اسم نبي الإسلام، وفيما يتعلّق بزيادة" يم""" في هذه الكلمة، يقول المختصون في اللغة العبرية أنها للتفخيم والتعظيم. ويقدّم لنا الباحث شبلي زمان Shibli Zaman عالم اللغات الشرقية الكبير- في بحث له خاص بهذه النبوءة، مثالين من العهد القديم
[ ٤٥ ]
على معنى هذه الزيادة وهما كلمة" أفرايم" من سفر التكوين ٤١: ٥٢ و" شحرايم" من سفر أخبار الأيام الأول ٨: ٨. وجاء في" الموسوعة اليهودية Encyclopedia ==Jewish "أنّ كلمة" ألوهيم""" جاءت فيها، أيضا، الياء والم ٣ يم للتعظيم والتفخيم.
كلمة" محمّد" لها نفس المعنى في كلّ من اللغة العربية واللغة العبريّة، وهي صيغة التفضيل من الرجل المحمود.
المقابل العربي الصحيح للعدد ١٦ من الفصل ٥ من سفر نشيد الإنشاد: " كلامه أحسن الكلام، إنّه محمّد العظيم. هذا هو حبيبي، وهذا هو صديقي (أو خليلي)، يا بنات أورشليم. "
الشرح اللغوي:
" هكّو ممتكيم":
كلمة" هكّو" هي من الجذر" هكه" أو" هنكه". ومعنى هذين الجذرين هو:
داخل الفم
حنك
سقف الحلق
حاسة التذوق
لسان أو لغة
هذا من الناحية اللغوية، أمّا من الناحية الاصطلاحية في الكتاب المقدس فإنّ الفم والحنك واللغة كلّها تعني الكلام المنطوق، من ذلك:
[ ٤٦ ]
" كلمات الجاهل مهلكة له" (سفر الأمثال ١٨: ٧) .
" أدعو خادمي فلا يجيب، مع أنّي توسلت إليه" (سفر أيوب ١: ١٩)
" جدّفوا على السماء بأفواههم، ولوثوا الأرض بخبث ألسنتهم. " (المزمور ٧٣: ٩) .
" جعل فمي كسيف قاطع.." (سفر إشعياء ٤٩: ٢) .
التراجم الانجليزية تستعمل كلمة" فم" في كل النصوص السابقة بمعنى" كلام".
كلمة" ممتكيم"، مشتقة من الأصل العبري" مثق =mathaq =وتعني:
أكل شيء حلو.
حلو أو عسل.
وقد جاء في سفر العدد ٣٣: ٢٨ ذكر كلمة" مثقة"، وهي مكان ونبع ماء في البلاد العربية حيث توقف بنو إسرائيل أثناء خروجهم من مصر.
الياء والميم في" ممتكيم" هما للتفخيم والتعظيم، وهو ما يظهر من التراجم الانجليزية نفسها.
معنى المقطع الأول إذن هو: " كلامه أحسن الكلام".
" وكهلو محمديم":
[ ٤٧ ]
كلمة" محمديم" هي من الجذر العبري" حمد" كما في المعاجم العبرية" الاشتهاء"، وتستعمل هذه الكلمة أيضا بمعنى الحمد والتبجيل. فالاسم" محمد" والشخصية" مشتهاة" أيّ جذّابة تستحق كلّ الحب والتبجيل والإكبار.
" زه دودي":
تعني" زه": " هذا"، أما" دودي" فمعناها في اللغة العبرية" صديقي" أو" محبوبي"، وهي تستعمل بصفة خاصة بمعنى العم، وقد جاء في معجم =English Lexicon ==A Hebrew and: لويليام جزنيوس William Gesenius وفرنسيس براون Francis Brown: =صديق، وخاصة أخو الأب، عم من جهة الأب. "
استعمال كلمة" دودي" يدلّ على أنّ ال" محمد" سيكون من جهة عمومة النبي سليمان المتحدّث، ومحمد ﷺ من أبناء إسماعيل الذي هو أخ لاسحاق الذي جاء منه سليمان صاحب البشارة. وليس للنصراني أن يزعم أنّ يسوع هو موضوع البشارة لأنّه كسليمان من أبناء إسحاق.
" وزه رعي":
معنى" وزه": " وهذا". ومعنى" رعي": جار، صديق، فرع آخر.
ومحمد ﷺ صديق لسليمان ﵇ لمحبة الأنبياء لبعضهم البعض، وهو جار له إذ أنّ الشام التي سكنها سليمان ﵇ تقع بجوار بلاد العرب التي ظهر فيها نبيّ الإسلام ﷺ. وهو من الفرع الآخر: من نسل إسماعيل.
" بنوث- يوروشلايم":
[ ٤٨ ]
تعني كلمة" بنوث" حرفيا" بنات"، وهي في اللهجة اليهودية تعني" سكان".
وقد جاء في معجم اللغة العبرية: سكان مدينة أو بلاد، رجالا ونساء.
" كلمة" يوروشلايم" تشير عادة إلى مدينة القدس. وقد اختلف أهل اللغة في أصلها، فذهب بعض أهل اللغة العبرية إلى أنّ جذرها هو: " ييروش- شالوم" أي" ملكية السلام، =٧٣٨٧٣٧٥٣١hepropertyofpeace =ويرى فديارتي في كتابه" محمد في الأسفر المقدسة =Muhammad in World Scriptures ="أنّ هذا القول خطأ. بعض الباحثين الآخرين يرون أنّ الجذر هو" ياروه". أي" أصل Foundation =""ليكون معنى" أورشليم" أصل السلام". وعلى كلّ حال فأصل الكلمة هو" يارو" أي ناس، أو بيت. ويكون معنى المقطع الأخير إذن: " يا سكان بيت السلام". ولا تشير عبارة" بيت السلام" إلى هيكل القدس لأنّ هذا الهيكل ما عرف السلم والأمن بل تعرّض للكثير من النوائب، كما أنّ المسيح قد تأفّف من الظلم الذي سيطر على أورشليم، فقال: " يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراحمة المرسلين إليها" (إنجيل متّى ٢٣: ٣٧ )، أمّا كعبة إبراهيم ﵇ فقد حفّها الأمن والأمان طوال قرون عديدة كما دفع الله سبحانه عنها شرّ أبرهة الذي جاء من الحبشة لهدمها. ثم إنّ القرآن قد قال: " ومن دخله كان آمنا" (آل عمران ٩٧)، فهي حقا بيت السلام والأمان.
جاءت كلمة" يوروشلايم" في صيغة المثنى، وهي تشير إلى أورشليم القدس حيث أولاد سارة وأورشليم العرب حيث أولاد هاجر. ومما يدلّ على وجود أورشليمين قول بولس في رسالته إلى غلاطية ٤: ٢٤- ٢٦: " وهذه الحقيقة لها معنى رمزي، فهاتان المرأتان ترمزان إلى عهدين: الأول مصدره جبل سيناء، يجعل المولودين تحته في حال
[ ٤٩ ]
العبودية، ورمزه هاجر. ولفظة هاجر تطلق على جبل سيناء، في بلاد العرب، وتمثل أورشليم الحالية، فإنّها مع بنيها في العبودية. أمّا الثاني، فرمزه الحرّة التي تمثل أورشليم السماوية التي هي أمّنا. "، وخطاب سليمان ﵇ كان لنسل إبراهيم أبي الأنبياء من زوجتيه سارة وهاجر: بني إسرائيل وبني العرب. والمقصود ببيت الأمان كعبة إبراهيم التي نبع منها الوحي والخير لمّا كان الشرك والوثنية يسيطران على القدس.
وتفصيل ما جاء في أعداد الفصل الخامس من هذا السفر يؤكد حقيقة" المحمديم" الذي عرفنا شخصيته من خلال اسمه" محمد" ﷺ.. فهو:
" متألّق": أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سلمة في وصف وجه رسول الله ﷺ أنه قال: ".. بل مثل الشمس والقمر مستديرا".
وأخرج الإمامان البخاري ومسلم عن البراء قال: " كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها "
وأخرج الدارمي والبيهقي والطبراني أبو نعيم عن أبي عبيدة قال: قلت للربيع بنت معوّذ: صفي لي رسول الله ﷺ، قال: " لو رأيته قلت الشمس طالعة".
الشمس من حسّاده والنصر من قرنائه والحمد من أسمائه
أين الثلاثة من ثلاث خلاله من حسنه وإبائه ومضائه
مضت الدهور وما أتين بمثله ولقد أتى فعجزن عن نظرائه
[ ٥٠ ]
لا يمكن للنصارى أن يحاجونا بكلمة" متألق" للزعم أنّ المسيح هو المقصود بها، لأنّ أئمتهم يقرّرون أنّ المسيح كان قبيح المنظر.. فقد قال مثلا كلمنت الاسكندري عن المسيح: " إنّ جماله كان في روحه وفي أعماله، وأمّا منظره فكان حقيرا"، وقال ترتليان: " أمّا شكله فكان عديم الحسن الجسماني، وبالحري كان بعيدا عن أي مجد جسدي. "
قلت: ثبت لدى المسلمين كون المسيح جميل المنظر، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ في وصف المسيح أنه: " ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس" أي الحمام! -" أحمر": أخرج الإمام البخاري عن أنس أنه قال في وصف رسول الله: ".. أزهر اللون "
وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري في" فتح الباري..":
" أي أبيض مشرب بحمرة، وقد وقع ذلك صريحا في حديث أنس من وجه آخر عند مسلم، وعند سعيد بن منصور والطياليسي والترمذي والحاكم من حديث علي قال: " كان النبي ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة" وهو عند ابن سعد أيضا عن علي، وعن جابر، وعند البيهقي من طرق عن علي، وفي الشمائل.. من حديث هند بن أبي هالة أنه أزهر اللون. "
" علم بين عشرة آلاف": إشارة إلى فتح مكّة على يد نبيّ الإسلام (العلم) مع عشرة آلاف مؤمن.
وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عبّاس أنّ النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف مؤمن لفتح مكّة.
[ ٥١ ]
-" رأسه ذهب خالص وغدائره متموّجة حالكة السواد كلون الغراب": أخرج مسلم عن أنس أنه قال في وصف شعر النبي ﷺ: " كان شعرا رحلا ليس بالجعد والسبط بين أذنيه وعاتقه".
وأخرج أيضا عن أنس قوله لما سئل هل خضب رسول الله ﷺ، إنه لم يكن رأى من الشيب إلا. قال ابن إدريس كأنه يقلّله
كما أخرج عن ابن سيرين قال سألت أنس بن مالك هل كان رسول الله ﷺ خضب فقال لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض. ومما قاله الإمام النووي في شرحه لهذا الأثر: " كما قال في الرواية الأخرى: لم يشتد الشيب أي لم يكثر، ولم يخرج شعره عن سواده وحسنه. "
" عيناه حمامتان عند مجاري المياه. مغسولتان مستقرتان في موضعهما":
أخرج الإمام مسلم عن جابر بن سمرة أنه قال أن رسول الله ﷺ كان" أشكل العينين". وفسّر الإمام النووي كلمة" أشكل" بقوله إنّ العلماء قد اتفقوا على أنّ الشكلة حمرة في بياض العينين.
لا شكّ أنّ ما ذكره جابر بن سمرة هو عين ما جاء في سفر نشيد الإنشاد من الحديث عن عين الحمامة.
وللحمامة وعيناها دلالات بارزة في الكتاب المقدس: يقول البابا شنودة في مقال له في جريدة وطني (لم يذكر رقم العدد) نشره في موقعه على الإنترنت، في تفسيره لنشيد الإنشاد ١: ١٥: ".. العين البسيطة التي كالحمامة. تمثل البراءة. ولهذا يقول السيد المسيح: " إن كانت عينك بسيطة، فجسدك كله يكون نيرا ()
" عيناك حمامتان" أي تمثلان الوداعة واللطف والطيبة والود. تمثلان النفس
[ ٥٢ ]
الجميلة الهادئة البسيطة الروحية الحرّة. محال أن يكون أحد فيكم قد رأى حمامة عابسة متجهمة. الحمام أيضا يهدل دائما، فيرمز إلى حياة التسبيح الدائمة " ومعلوم لمن قرأ صفحات من سيرة نبي الإسلام ﷺ مبلغ وداعته ولين جانبه وتسبيحه الدائم:
أخرج مسلم عن أنس ﵁: " كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة، يحدو. فقال له رسول الله ﷺ: " يا أنجشة! رويدك، سوقك بالقوارير". (البخاري)
وأخرج مسلم عن أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: " ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما. ما لم يكن إثما.
فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه".
وأخرج ابن حبان في" صحيحه" عن الأغر المزني أنّ رسول الله ﷺ قال: " إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كلّ يوم مئة مرة".
" خدّاه كخميلة طيب تفوحان عطرا، وشقتاه كالسوسن تقطران مرّا شذيّا" أخرج الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقّاص قال: " اشتكيت بمكة فدخل عليّ رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده على جبهتي فمسح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إليّ أني أجد يده على كبدي حتّى الساعة".
وأخرج الإمام مسلم عن جابر بن سمرة قال: " مسح رسول الله ﷺ خدّي فوجدت ليده بردا وريحانا كأنما أخرجها من جونة عطار"
[ ٥٣ ]
وأخرج الشيخان عن أنس قال: " ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ولا شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله ﷺ".
" يداه حلقتان من ذهب مدوّرتان ومرصّعتان بالزبرجد، وجسمه عاج مصقول مغشّى بالياقوت الأزرق. ساقاه عمودا رخام قائمتان على قاعدتين من ذهب نقي": جاء في وصف هند بن أبي هالة للرسول ﷺ: " كان رسول الله ﷺ فخما مفخما () عظيم الهامة ()
معتدل الخلق، بادن متماسك سواء البطن والصدر، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين () طويل الزندين، رحب الراحة () سابل الأطراف (أي طويل الأصابع) ".
" طلعته كلبنان، كأشهى أشجار الأرز": أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: " لما قدم النبي ﷺ المدينة جئت لأنظر إليه فلمّا استبنت وجهه عرفت أنّ وجهه ليس بوجه كذاب"
وعن أبي رمثة التميمي قال: " أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي فأريته فلما رأيته قلت هذا نبي الله" وقال عبد الله بن رواحة في وصفه:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة لكان منظره ينبيك بالخبر
وقيل:
كأنّ الثّريا علّقت بجبينه وفي جيده الشّعرى وفي وجهه القمر
عليه جلال المجد لو أن وجهه أضاء بليل هلّل البدو والحضر
[ ٥٤ ]
-" فمه عذب": أو" كلامه أحسن الكلام"..
خذ هذه الشهادة من مستشرق غير مسلم:
قال الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي عند ما كلّفته وزارتا الخارجية والمعارف الفرنسية بترجمة ٦٢ سورة من السور الطوال التي لا تكرار فيها، ففعل وقال في مقدمة ترجمته الصادرة سنة ١٩٦٢: " أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جلّ وعلا. فإنّ الأسلوب الذي ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا. والحق الواقع أنّ أكثر الكتّاب شكا وارتيابا قد خضعوا لسلطان تأثيره.
() ذلك أنّ هذا الأسلوب الذي طرق في أول عهده آذان البدو كان نثرا جد طريف، يفيض جزالة في اتساق نسق، متجانسا مسجعا، لفعله أثر عميق في نفس كلّ سامع يفقه العربية. لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع" الذي لم يسمع بمثله" بلغة أخرى. وخاصة الفرنسية القاسية الضيقة" التي لا تتسع للتعبير عن الشعور".. وزد على ذلك أنّ اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية. وما استعملت قط للتعبير عن الإلوهية. "
وخذ شهادة من أفضل من كتب بلغة الضاد من النصارى العرب لتكون شوكة في حلوق أهل العجمة من مكابري الكنيسة.. فقد قال أمير البيان مصطفى صادق الرافعي ﵀ وطيّب ثراه في كتابه" وحي القلم": " وصرّح لنا بذلك (بإعجاز القرآن) أديب هذه الملّة وبليغها الشيخ إبراهيم اليازجي الشهير. وهو أبلغ كاتب أخرجته المسيحية. وقد أشار إلى رأيه ذاك في مقدّمة كتابه" نجعة الرائد"، وكذلك سألنا شاعر التاريخ المسيحي الأستاذ خليل مطران، ولا نعرف من شعراء القوم من يجاريه فأقرّ لنا بمثل ما أقرّ به أستاذه اليازجي. "
وقال الأديب الشاعر المعاصر نقولا حنا عن إسلامه: " قرأت القرآن فأذهلني، وتعمّقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت.. آمنت بالقرآن الإلهي العظيم،
[ ٥٥ ]
وبالرسول من حمله.. النبي العربي الكريم، أمّا الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان..
وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يديّ أنظرها وأحسّها كلّ حين.. هي معجزة لا كبقية المعجزت.. معجزة إلهية خالدة تدلّ بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدّث عنها أو يبشر بها. "
ومن اليهود، قال السموأل بن يحي المغربي (٥٧٠ هـ) العالم بالتوراة والهندسة والرياضيات والهيئة والطب والتاريخ.. في كتابه: " إفحام اليهود.." ص ٥٤ متحدّثا عن سبب إسلامه: ".. فإني كنت لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتاب قد اكتسبت، بكثرة مطالعتي لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم، قوة في البلاغة، ومعرفة بالفصاحة، وكان لي في ذلك ما حمده الفصحاء، وتعجب به البلغاء () فشاهدت المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدمية في القرآن فعلمت صحة إعجازه. "
أضف إلى الإعجاز البلاغي للقرآن.. جزالة الحديث النبوي الشريف.. وقل عن محمد ﷺ: " كلامه أحسن الكلام! " وقل مع الشاعر:
قطف الرجال القول قبل نباته وقطفت أنت القول لما نورا
فهو المشيع بالمسامع إن مضى وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
إذن، الأمر بيّن لا التباس فيه ولا خفاء.. إنها بشارة عظيمة بخاتم النبيين ﷺ..!!