يزخر العهد الجديد باقتباسات كثيرة من العهد الجديدة لتأكيد قضايا لاهوتية أو لا دعاء وجود البشارة بالمسيح فيه. وقد لاحظ النقاد أنّ هذه الاقتباسات لم تتقيّد بالأخذ بالنص اليوناني السبعيني أو النص العبري القياسي (وهما يختلفان عن بعضهما في الكثير من المواضع)، بل يراوح متّى، مثلا، بين الأول والثاني، وإن كان اعتماده
[ ١١٨ ]
على النص اليوناني في الأغلب.. وقد ذهب بعض النقاد إلى أنّ متّى يعتمد على ترجمته الخاصة المختلفة الألفاظ على ما هو معروف في التراجم التقليدية في زمانه!
كما قام أصحاب أسفار العهد الجديد بتحريف الكثير من نصوص العهد القديم لتوافق أغراضهم، حتى قال الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Brown Raymond في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of the Messiah =هامش ص ١٨٦، في حديثه عن اقتباس متّى ٢: ٦ لسفر ميخا ٥: ١: " من بين ال ٢٢ كلمة من الترجمة اليونانية السبعينية لميخا، ٨ فقط وجدت في النص اليوناني لمتّى. "!! .. كما قال في ص ١٥١ عن اقتباس متّى ١: ٢٣ لأشعياء ٧: ١٤، والخلاف بين النصّ الأصلي والصورة المقتبسة: ".. ربما التفسير الأكثر قبولا هو أنّ متّى قد حرّف عن عمد النص السبعيني ليوافق روايته الخاصة. ".. أيّ أنّ مؤلف إنجيل متّى قد حرّف، بل بالغ في تحريف العهد القديم!!!؟
والنصراني أمام هذه" الفاجعة" التي ليس لها من دون الله كاشفة، أمام حلّين، أحلاهما علقم في حلق الكنيسة، إما أن يقرّر أنّ أصحاب أسفار العهد الجديد قد حرّفوا نصوصا من العهد القديم، أو أن يقرّر أنّ العهد القديم الذي بين أيدينا وكذلك النسخ المعروفة في القرن الأول الميلادي هي المحرّفة..!!!
ولا مخرج غير الإقرار أنّ تحريف الكتاب المقدّس أمر لا ينازع فيه عاقل مبصر!
شهادة المخطوطات القديمة: جاء عن كبار الباحثين، نصارى وغير نصارى، القول باستحالة الوصول إلى النصّ الأوّل لفقدان النصوص الأصلية ولاختلاف المخطوطات ولكثرة التحريف. وفي هذا الشأن يقول المدخل إلى العهد الجديد في ترجمة الكاثوليك: " المثال الأعلى الذي يهدف إليه علم نقد النصوص هو أن يمحصّ هذه الوثائق المختلفة لكي يقيم نصا يكون أقرب ما يكون إلى الأصل الأول.
[ ١١٩ ]
ولا يرجى بأيّ حال من الأحوال الوصول إلى الأصل نفسه "!!!
وتكشف دراسة المخطوطات القديمة وجود عدد هائل من الاختلافات بين النصوص مما يجعل الوصول إلى النص الأصلي محالا. وهذا الباحث م. م. بارفيز ينقل لنا أنّ فحص، فقط، ١٥٠ مخطوطة يونانية لإنجيل لوقا كشف وجود ٣٠٠٠٠ قراءة!!
وهذا الدكتور دوبن أحصى في صورة التحريف بالحذف- وهذه أحد صور التحريف- ٣٣٠ تحريف بالحذف في إنجيل متّى، و٣٦٥ في إنجيل مرقس، و٤٣٩ في إنجيل لوقا، و٣٣٧ في إنجيل يوحنا، و٣٨٤ في أعمال الرسل. (٢٦٠.p،١٨٥٩،University Magazine Dublin)
وقال ج. ر. دوملو الأستاذ في جامعة كمبردج في تعليقه على الكتاب المقدس Commentary on the Holy Bible ="ص ١٦: " كان الناسخ يعمد أحيانا لإدخال ما لم يكن في النصّ، إنّما ما يعتقده هو يجب أن يكون، أو ما يتناسب مع آراء الطائفة التي كان ينتمي إليها، فلقد كانت هناك ٤٠٠٠ نسخة أصلية يونانية للأناجيل فكان الاختلاف بينها كثيرا. "
وقال جورج كيرد: " إن أول نص مطبوع من العهد الجديد كان الذى قدمه أرازموس عام ١٥١٦ م، وقبل هذا التاريخ كان يحفظ النص في مخطوطات نسختها أيدى مجهدة لكتبة كثيرين، ويوجد اليوم من هذه المخطوطات ٤٧٠٠ ما بين قصاصات من ورق إلى مخطوطات كاملة على رقائق من الجلد أو القماش، وأن نصوص جميع هذه المخطوطات تختلف اختلافا كبيرا ولا يمكننا الاعتقاد أن أيّا منها قد نجا من الخطأ، ومهما كان الناسخ حى الضمير فإنه ارتكب أخطاء، وهذه الأخطاء بقيت فى كل النسخ التى نقلت من نسخته الأصلية، وأن أغلب النسخ الموجودة من
[ ١٢٠ ]
جميع الأحجام قد تعرضت لتغييرات أخرى على أيدى المصححين الذى لم يكن عملهم دائما إعادة القراءة الصحيحة. "
مخطوطات البحر الميّت لأسفار العهد القديم هي أقدم مخطوطات يملكها النصارى، وهي تعود إلى قرن أو أكثر بقليل من ولادة المسيح. قال في شأنها القس الدكتور تشارلس فرنسيس بوتر في كتابه" السنون المفقودة من عيسى تكشف" (تعريب ع.
ع. راضي) ص ١٢: " من العسير العثور على كتاب في العهد القديم لا يحتاج إلى تصحيحات تحت ضوء مخطوطات البحر الميّت".
قلت: الهوامش الكثيرة في الترجمة الانجليزية لمخطوطات البحر الميت حيث تذكر الاختلافات بين تلك المخطوطات وبين الترجمة السبعينية والنص الماسوري، تؤكد ما قرره الدكتور بوتر. -
وهذه الحقيقة تكشف ثبوت التحريف الفاحش في أسفار التوراة، وتضبط أحد أزمانه: من ما قبل ولادة المسيح إلى القرن الرابع زمن ظهور أقدم المخطوطات المعتمدة لإعداد التراجم الحديثة للكتاب المقدس.
والسؤال: وهل يستغرب عاقل، تبعا لما علمنا، أن تحرّف بشارات عددها محدود لا تتجاوز في حجمها في السفر الواحد، الصفحة الواحدة..؟!!
الاجابة معلومة !!