تشير الايات المكية مرارا الى انكار أهل مكة للبعث (يوم الحساب)، فاهل مكة- لأنهم كانوا يعتبرون الجسد جزا أساسيا من الانسان- لم يكونوا قادرين على الاقتناع بأن الجسد البشرى يمكن اعادته للحياة بعد أن أصبح رميما. لقد بدا ذلك لهم ردا حاسما على تأكيدات محمد ﷺ كما تشير ايات كثيرة «٥٠»، منها الايات التاليات:
(وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) ..) السورة ٣٧ (الصافات) .
_________________
(١) Ann،i،p. ٢٤٤. (٤٩)
(٢) وايات أخرى كثيرة: السورة (٧٩) / ١٠ وما بعدها، (٧٥) ٣ وما بعدها (٣٦) ٤٦- ٤٨. (٤٤) ٣٤ وما بعدها (٥٠)، وما بعدها الخ.
[ ٢٥٤ ]
وبينما ظل سؤالهم هذا يتردد بشكل أساسى لأسباب جدلية الا أنه فى الحقيقه متمش مع معتقدات أهل مكة فهم كانوا يقولون، كما أشار القران (الكريم):
(وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) ..)
السورة ٤٥ (الجاثية) .
ويوبخهم القران الكريم مرة تلو مرة؛ لانكارهم الحياة الاخرى وقصر تفكيرهم على متاع الحياة.
والايات القرانية من السورة ٣٧ (الصافات) الانف ذكرها توضح أيضا نقطة أبعد ترتبط أحيانا بالاية الاخرى رقم ٢٤ من سورة الجاثية التى ذكرناها لتونا. فالمكيون يصفون اعادة الجسد الى الحياة بعد أن يكون قد أصبح رميما بأنها مسألة سحر، وكلمة السحر يبدو أنها اشارة الى فعل (مضلل) أو (خادع) وليس فعلا حقيقيا صحيحا «٥٢» .
وهذه الفكرة ربما كانت موجودة قبل اشارة القران الكريم الى السحر، الا أنه ربما أيضا كانت بعض الاشارات الى السحر- خاصة الاشارة الى محمد ﷺ كساحر- يقصد بها الوحى.
ولم ترتبط ايات القران الكريم بعملية البعث بشكلها المجرد (أى مطلق بعث)، وانما بالبعث المرتبط بالحساب الذى ينتج عنه خلود فى الجنة أو عقاب بدخول جهنم. فمسألة احياء الأموات (بعث أجسادهم) كانت مثارة بين أتباع محمد ﷺ لأنها بدت لهم أمرا غريبا متعارضا مع عقائدهم فى الاخرويات. لقد وضح القران رفضهم لهذه العقيدة رفضا تاما، رغم أن اشارات القران لذلك موجزة «٥٣»، هذا الايجاز قد يعنى أن
_________________
(١) السورة ٥٢، اية ١٥، السورة ٤٣، اية ٢٩.
(٢) السورة ٧٤، الاية ٤٧، السورة ٨٣، الاية ١٠ وما بعدها، السورة ٥٢ الايات ١١- ١٤، السورة ٣٧، الاية ٢٠ وما بعدها، السورة ٣٧، الاية ٢٠ وما بعدها، السورة ٣٧، الاية ٥٠ وما بعدها، السورة ٢٥، الاية ١٢.. الخ.
[ ٢٥٥ ]
مسألة احياء الجسد الرميم قد احتلت مكانا بارزا فى المناقشات بين عامة أهل مكة، لكن رفض فكرة الحساب فى الآخرة ربما كانت هى الأخطر لنتائجها العملية المهمة مادامت تعنى أنها وازع أو دافع تم ادخاله ليتحكم فى سلوك الأفراد.
فعدم الاعتقاد فى اليوم الاخر ربما كان كامنا أيضا وراء السؤال «٥٤» الذى وجهوه لمحمد ﷺ:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) ..) السورة ٧٩ (النازعات) .
وقد أجاب القران الكريم عن هذا السؤال أو على الأقل كانت استجابته فيها تحاش له، لكن قد يكون الهدف من توجيه السؤال هو ارباك محمد ﷺ.
وكثير من ايات القران التى تتحدث عن «ايات» الله يبدو أنها استجابة أو رد فعل للصعوبة التى تكتنف احياء الجسد (بعث الأبدان) .
لقد قدم لنا القران عملية خلق الله للانسان خلال سلسلة من الأفكار وخلال تطور بطىء هو تطور الجنين فى الرحم ونفخ الله سبحانه الروح فيه، ودلل القران الكريم على أن ذلك اية (علامة) من ايات الله سبحانه؛ لأنه هو واحده القادر على ذلك، وبالتالى فهو واحده سبحانه قادر على اعادة الحياة اليه بعد أن يصبح رميما. وبينما بعض ايات القران الكريم تهتم بشكل أساسى باظهار وجود الله سبحانه وبيان قدرته بشكل عام، فان هناك ايات أخرى توضح أن أهمية كثير من الايات (العلامات) أنها برهان على قدرة الله سبحانه فى احياء الأجساد بعد موتها، ومن هذه الايات «٥٥» نذكر:
_________________
(١) وأيضا السورة ٧٩ (٤٢- ٤٤)، ٥١ (١٢)، ٣٦ (٤٨)، ٦٧ (٢٥)، ٢١ (٣٩- ٤١)، ١٧ (٥٣-) .
(٢) وأيضا السورة ٧٥ (٣٦- ٤٠)، ٧٩ (٢٧- ٣٣)، ٥٦ (٥٧- ٧٣)، ٥٠ (٦- ١١)، ١٩ (٦٨)، ٣٦ (٧- ٨٣) .. الخ.
[ ٢٥٦ ]
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ..) السورة رقم ٧٥ (القيامة) .
ليست هناك حاجة للقول ان المعارضين المتسمين بالعناد لمحمد ﷺ والدين الذى يدعو اليه، لم يكونوا مقتنعين بهذه الايات، بل لقد زادتهم كفرا على كفرهم «٥٦»، لقد كانوا أحيانا يرفضون هذه الايات على أساس أنها من أساطير الأولين «٥٧»، وهى عبارة وردت عدة مرات فى القران «٥٨» وارتبطت بانتقاد هذه العلامات (الايات) وما وراءها من معان.
لقد كانت كل الانتقادات التى وجهوها للمحتوى القرانى ذات صلة بالاخرويات (الأفكار عن العالم الاخر) وهذا التركيز على الاخرويات فى المناقشات بين محمد (ﷺ) والمناوئين له يظهر أنها كانت تميل الى تأكيد وجهة النظر الواردة فى الفصل الثالث، وهى أن بعض التعاليم عن اليوم الاخر كانت جزا من الهدف الأساسى لرسالة القران الكريم. وقد وصف القران الكريم موقفهم كله وصفا وصل ذروته فى كلمة (تكذيب) وهى كلمة مقابلة للايمان. فالمكذب هو المنكر للبعث واليوم الاخر والحياة بعد الموت وايات الله، والتحذيرات التى وردت فى رسالة محمد ﷺ. وأحيانا يورد القران كلمتى (تكذيب) و(مكذبون) دون تحديد للمجال الذى جرى بشأنه التكذيب، وكلمة (المكاذبين) تأتى مرادفا (لأعداء محمد ﷺ) أو مناوئيه.
والمحور الرئيسى الاخر للمناقشات الدائرة فيما يتعلق بمحتوى الوحى هو مسألة الأوثان، وتوحيد الله سبحانه. وفى هذا المجال نجد القران الكريم هو الذى يتخذ المبادرة فى الهجوم على المنكرين، بينما نجد مشركى مكة فى موقف دفاع. لقد تعرضنا لهذه النقطة فى القسم الأول
_________________
(١) السورة ٩٠/ ١٩، ٧٨/ ٢٨-.. الخ.
(٢) السورة ٤٥/ ٢٤.
(٣) السورة ٨٣/ ١٣.
[ ٢٥٧ ]
من هذا الفصل الى حد ما فلا حاجة لتناولها مرة أخرى هنا. الا أنه قد يجوز لنا أن نذكر- على أية حال- دعوى مناوئى محمد أنهم سائرون على خطى ابائهم. فالمكيون (وغيرهم) دأبوا على القول أنهم هكذا وجدوا اباءهم وأن الحكمة تقتضى اتباع دين هؤلاء الاباء «٥٩» . ولم يكن اتهامهم لمحمد ﷺ بالانحراف عن دين الاباء والأجداد واضحا محددا، لكنه ربما يكون مفهوما ضمنا. وكان ردهم هذا أقرب الى أن يكون- من الناحية الظاهرية- موقفا دفاعيا، فهم لم يكونوا مستعدين لاتباع محمد ﷺ حتى ولو أتاهم بأفضل الهدى، وانما هم يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم، وعبروا عن ذلك فى مصطلحات عامة توضح اتجاههم المحافظ (غير الراغب فى التغيير) .
وجانب من قصص الأنبياء التى تظهر كثيرا فى ايات القران الكريم فى المرحلة المكية تعد بمثابة عاصفة تعصف بهذا الزعم (رغم اتباعهم دين ابائهم) . ولا بد أن المسلمين كانوا قد أحسوا أنهم قد تخلوا عن دين هؤلاء الاباء (المشركين) خاصة عند مواجهتهم لأسئلة صعبة عن أوضاع ابائهم وأجدادهم فى الوقت الحاضر وفى المستقبل. ولا شك أن قصص الأنبياء ساعدتهم فى التحقق من ذلك، وهو أنهم كأتباع للنبى فهم يعتبرون باتباعهم له من أمته، وأنهم ينتمون اليه انتماء روحيا. وعلى هذا فقصص الأنبياء هذه لم تكن فقط تشجع المسلمين، وانما أيضا تفتح لهم مجالا للفخر على نحو ما كان الشاعر يشيد بمفاخر قبيلته. وهو لون من ألوان الشعر كان سائدا قبل الاسلام، وبالتالى فقد شعر المسلمون أنهم ينتمون الى جماعة لها جذور عميقة فى الماضى «٦٠» .
والجدير بالملاحظة أنه لم يكن هناك نقد صريح فى القران الكريم متعلق بالكرم (المقصود اتهامهم بأنهم غير كرماء)، وهذا من الممكن أن
_________________
(١) السورة ٤٣/ ٢١- ٢٣، السورة ٢١/ ٥٤.
(٢) G.Von Grunebaum، Von Muhammads Wirkung and Origina- Litat.in Wienner Zeitschrift Fur die kund des Morgenlandes.X Liv، ١٩٣٧، pp.٢٠- ٥٠ esp.٤٤ f.:Rudi Paret، Das Geschichtshild Moham- meds، in Die Welt als Geschichte، ١٩٥١، pp.٢١٤- ٢٢٤، esp.٢١٧ f.
[ ٢٥٨ ]
يرجع الى حقيقه انه رغم ممارستهم للوتنيه فانهم لم يكونوا خالين تماما من الفضائل التى دعا اليها القران، لذا لم يكونوا ميالين للدفاع العلنى عن ممارساتهم. فأن تكون أنانيا ذلك شىء، وأن تدافع عن الانانية كمبدأ ذلك شىء اخر. ولسنا فى حاجة الى أن نفترض أن الوتنيين كانوا ذوى ضمائر سيئة فى هذا الموضوع، رغم أن قلة منهم من ذوى الضمائر، ربما شعروا بوخز الضمير. لقد كانوا فى حاجة فقط لأن يكونوا على وعى بحقيقة أن سلوكهم كان مناقضا لروح المفاهيم التقليدية للشرف عند العرب، رغم أنهم من الناحية الرسمية لم يكسروا أية أعراف مقبوله.
واذا كان هذا صحيحا، فانه يجعلنا نميل لاظهار القران الكريم وكانه لم يكن نظاما أخلاقيا جديدا تماما، وانما هو امتداد للأفكار الأخلاقية التقليدية العربية بعد اخراجها لظروف وأحوال جديدة خارج التجربة البدوية. (نقل الأخلاق العربية ذات الطبيعة البدوية ليوائمها مع الحياة المدنية) .