أورد لنا الطبرى نصا من وثيقة مكتوبة ترجع لزمن مبكر، تشير كل الظواهر الى أنها وثيقة صحيحة «١» . لذا، فمن الملائم أن نبدأ بذكرها:
أخبرنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب لعبد الملك بن مروان (تولى الخلافة من ٦٥ الى ٨٦ هـ/ ٦٨٥- ٧٠٥ م):
«أما بعد، فانه- يعنى رسول الله ﷺ- لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذى أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش
_________________
(١) تاريخ الطبرى، ١١٨٠ وما بعدها، وانظر أيضا Caetani،Ann i،p. ٢٦٧ f.:
[ ١٩٣ ]
لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم]، واغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه الا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم واخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ﷺ من أهل الاسلام! فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا الى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشى، لا يظلم أحد بأرضه، وكان موضع ثناء، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا- فأمرهم بها رسول الله ﷺ؛ فذهب اليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات، يشتدون على من أسلم منهم.
ثم انه فشا الاسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم.
قال أبو جعفر: فاختلف فى عدد من خرج الى أرض الحبشة، وهاجر اليها هذه الهجرة، وهى الهجرة الأولى.
فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفرى، عن أبيه، عن رجل من قومه. قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلى، عن الحارث بن الفضيل، قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا الى الشعيبة، منهم الراكب والماشى، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما الى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم فى رجب فى السنة الخامسة، من حين نبىء رسول الله ﷺ، وخرجت قريش فى اثارهم حتى جاؤوا البحر، حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.
[ ١٩٤ ]
قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه» *.
واذا نحينا جانبا الى حين ما ورد فى هذا النص عن الهجرة للحبشة، فاننا نلاحظ ثلاث نقاط رئيسية:
أولها: أن المعارضة الحقيقية الأولى ارتبطت بالتعرض للأصنام (الطواغيت)، ويمكننا أن نفترض أن التعرض لهذه الأصنام (الطواغيت) كان فى خلال النص القرانى.
ثانيها: أن بعض أثرياء قريش الذين يمتلكون ثروات فى الطائف كانوا هم زعماء الحركة المعارضة لمحمد (ﷺ) .
ثالثها: أن كل ذلك سبق الهجرة الى الحبشة.
وليس هناك صعوبة كبيرة فى تقبل ما ورد فى ثانيا وثالثا (كون أثرياء من قريش هم الذين قادوا المعارضة ضد محمد ﷺ، وكون ذلك بدأ قبل الهجرة الى الحبشة)، لكن هناك صعوبة فى تقبل ما ورد فى أولا (وهو كون المعارضة القرشية لم تبدأ الا بعد التعرض للطواغيت) .
فالدراسات التى قام بها نولدكه Noldeke وبل Bell عن التأريخ لايات القران الكريم، تظهر لنا ايات كثيرة (نزلت) قبل أن تنزل ايات تتعرض للأوثان (الطواغيت)، التى قيل ان التعرض لها كان هو سبب ظهور المعارضة لمحمد (ﷺ) . حقيقة ان الأصنام لم تذكر طوال الحقبة المكية الا قليلا. ومن الممكن أن عروة الذى كان يكتب بعد الأحداث بسبعين سنة على الأقل قد افترض- مجرد افتراض- أن الهجوم على الشرك (تعدد الالهة) لا بد أن يكون هو سبب ظهور المعارضة فى هذا الوقت، لأنها كانت هى السبب فى اشتداد المعارضة فيما بعد. ومن المعقول أيضا- لكن هذا ليس مؤكدا- أن ذكر الأصنام (التعرض للطواغيت) يرجع الى قصة الايات الشيطانية التى سنناقشها فى الفقرة
_________________
(١) * الطبرى، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٥٤٦.
[ ١٩٥ ]
التالية. ففى هذه الحال لا بد أن نفترض أن قريشا قد تضايقت لأن صنم الطائف كان قد بدأ يحقق شهرة كبيرة، وربما بدأ أهل الطائف يعتبرونه على قدم المساواة مع أصنام مكة. وبشكل عام، فان الحل الأكثر بساطة والأكثر مدعاة للقبول هو القول بأن المعارضة الفعالة للرسول لم تظهر الا بعد التعرض للأوثان، فالاشارة الى قريش فى الطائف تشير الى ان لدى عروة بعض مصادر المعلومات الجيدة غير القران (الكريم) . دعونا الان نقبل بصحة القضية الأولى بشكل مؤقت (القضية الأولى هى المثارة انفا من أن معارضة قريش للرسول لم تبدأ الا بعد التعرض للأوثان) .