موضوع السورة رقم ٥٦ (العلق) التى ينظر اليها- بشكل عام- على أنها أول ما نزل من القران الكريم- هو خلق الله سبحانه للانسان- انها اعلان من الله سبحانه بقوته ولطفه- وأنه سبحانه يوحى للانسان (بمفهوم الوحى عند اليهود والمسيحيين) بأسرار ما لا يراه (ما لا يعلمه) . وفيما يلى نص الايات المعبر عن المعانى الانف ذكرها:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) ..) .
وخلق الانسان وهدايته مسألة أشار اليها القران الكريم فى ايات أخرى متعددة:
_________________
(١) لقد أغفل بل Bell بعض الايات وأضافها بعد ذلك.
[ ١٣٦ ]
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٦) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ..) السورة ٩٠ (البلد) .
وموضوع الخلق يبدو مفصلا فى السورة رقم ٨٠ (عبس):
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) ..) .
وبداية السورة رقم ٨٧ (الأعلى) تتناول الخلق أيضا:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) ..) .
والسورة رقم ٥٥ (الرحمن) تتناول فى اياتها الأولى مسألة (الخلق) و(الهداية) معا:
(الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤» .
وقد ورد فى السورة رقم ٩٣ (الضحى) فى الايات من ٣ الى ٨ ما يشير الى اللطف الخاص والكلام الخاص الذى شمل الله به محمدا ﷺ، ومن المفترض أن الايات تتعرض للحياة الأولى محمد ﷺ:
(ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) ..) .
وبالاضافة لهذا نجد التأكيد الوارد فى السورة ٨٧ (الأعلى):
(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) ..) .
[ ١٣٧ ]
والسورة رقم ١٠٦ (قريش) تحث قبيلة قريش على عبادة رب البيت (الكعبة) الذى أطعمهم من جوع وامنهم من خوف. والسورة رقم (٨٠) (عبس) توضح كيف يرسل الله المطر الذى يروى الأرض فتنتج حبا وعشبا وعنبا وزيتونا ونخيلا وغير ذلك.
(وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) ..) السورة رقم ٥٥ (الرحمن) .
ولأن الله سبحانه هو واهب الموت والحياة للبشر لذا فانه كما منح البشر المرعى، فانه يحيله جافا، ففى السورة رقم ٨٧ (الأعلى) نقرأ:
(وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) ..) .
وأخيرا فالسورة رقم ٨٨ (الغاشية) «٣» تحدثنا عن الله سبحانه كخالق للابل والسماء والجبال والأرض:
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) ..) .
وفى الوقت نفسه نجد فى أوائل السورة رقم ٥٥ (الرحمن) «٤» نجد اشارة الى خلق الأبدان والبحار وكل الكائنات، ونصل لذروة عظمة الله فهو يخلق ولا أحد يخلق سواه:
(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) ..) .
وعلى هذا، فهناك عدد كبير من الايات تتناول هذا الموضوع: لطف الله سبحانه وقوته. حقا ان مسألة لطف الله وقوته هى الى حد بعيد أبرز
_________________
(١) .Bell،op.cit. (٣) لكن المترجم رجع للمصاحف المتداولة.
(٢) كما وضع لها بل تاريخ نزول تقريبيا Bell،op.cit
[ ١٣٨ ]
معالم الرسالة فى الايات السريمة التى نزلت فى وقت مبكر (فى أوائل ما نزل من القران الكريم) ولم يتناول القران الكريم مسألة اثبات وجود الله سبحانه، وانما تعرض لذاته باعتبار وجوده أمرا معروفا لمحمد ﷺ ومعروفا أيضا لأولئك الذين يتلقون الرسالة، الا أن ذلك كان على نحو غامض أو مبهم، وأصبح (بعد نزول القران) أكثر دقة ووضوحا بعزو كل الأحداث المختلفة اليه سبحانه، وهذا يجعلنا نميل الى تأكيد أن فكرة الله (سبحانه) قد انتقلت الى العرب من الفكر التوحيدى فى اليهودية والمسيحية. وعلى أية حال، فمادامت القدرة التى كان يعروها الوثنيون العرب لالهتهم كانت- كما هو مفترض- محدودة جدا فهم لم يكونوا ينظرون لله سبحانه كنظير أو مثيل لالهتهم، وانما باعتباره (سبحانه) أعظم منها على نحو ما، ومع هذا فلم تكن أفكارهم هذه لتكون فكرة كافية عن عظمته وقدرته على التدخل فى شئون البشر. وعلى هذا، فانه يجب أن نقدر مدى أهمية الأفكار القرانية فى تصحيح الفهم الخاطئ للعرب عن الله سبحانه، كخطوة أولى.
وربما كان ما هو أكثر مدعاة للدهشة أن أوائل ما نزل من القران ليس فيه اشارة الى توحيد الله سبحانه، Unity of God باستثناء ما ورد فى السورة ٥١ (الذاريات)، الاية رقم ٥١:
(وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١» .
وربما كانت هذه الاية اضافة متأخرة للسورة «٥» . انها تبدو وكأنها تكرار لفكرة معروفة بالفعل، لأنها اذا كانت فكرة جديدة لجرى التركيز عليها بشكل أوضح. وبطبيعة الحال، فليس هناك فى أوائل ما نزل منه ما يناقض عقيدة التوحيد، لكن ما هو مهم وشائق أيضا أنه فى أوائل ما نزل من القران، ان لم يكن هناك تركيز على توحيد الله، فليس هناك أيضا شجب للوثنية. وبعبارة أخرى، فان هدف النص القرانى الذى نزل فى فترة مبكرة كان محدودا. أنه كان
_________________
(١) Bell،op.cit. (٥)
[ ١٣٩ ]
يهدف الى تطوير جوانب فكرة الايمان بالله على نحو ايجابى؛ واضعا فى الاعتبار أن الايمان بالله مسألة كانت موجودة بالفعل بين أهل مكة دون أن يكونوا على وعى بأن هناك تناقضا بين الايمان بالله من ناحية، واشراك الهة أخرى معه.