والمصدر الثانى الذى اعتمد عليه (وات) هو أحاديث الرسول ﷺ، ومن المعروف أن مجموعات الأحاديث التى ينظر لها المسلمون باعتبارها تضم أصح الأحاديث عن رسول الله ﷺ هى المجموعات المعروفة بالصحاح:
البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو داود. وقد اختار وات لنفسه مرجعا لكتابه هذا هو صحيح البخارى، ربما لتوافر ترجمة له، وربما لأنه كان متاحا له دون سواه. وهو اختيار موفق على أية حال.
_________________
(١) * فى تقديرى، أن القران الكريم استقر على ترتيب معين، وكان الرسول ﷺ عندما تنزل اية أو ايات من القران الكريم يدل كتاب الوحى على السورة التى تنضاف اليها الاية أو الايات، ومن هنا فمن المتفق عليه أن ترتيب ايات السور توقيفى، أى من عند الله لا يجوز تجاوزه (السيوطى: الاتقان فى علوم القران ص ٩٠ وما بعدها- (المراجع) .
[ ١٣ ]
بقيت مسألة، فنحن نعرف أن احاديث الرسول ﷺ هى المصدر الثانى للتشريع الاسلامى بعد القران الكريم، لكن ماذا عنها كمصدر للتاريخ؟
الواقع أن الفرق رقيق جدا بين (المحدث) و(الاخبارى) و(المؤرخ) عندما نتحدث عن الفترة التى عاش فيها الرسول ﷺ بعد نزول الوحى عليه. فالمحدث هو كل مشتغل بالسنة وهو غير المؤرخ الذى يشتغل بالأخبار التاريخية ألا اذا كانت هذه الأخبار متعلقة بالرسول ﷺ، الا أن كلمة (المحدث) كانت تطلق أحيانا على المشتغل بجمع الأخبار التاريخية وروايتها، كما أن أخبار الرسول ﷺ وأفعاله وأقواله واقراراته هى فى حد ذاتها أخبار تاريخية «١» . وحتى لو اشتملت مجموعات الأحاديث على ذلك النوع المعروف بالأحاديث القدسية وهى التى يبلغها الرسول ﷺ عن ربه، فهى أيضا تفيد فى شرح العقيدة ومعرفة التوجيهات التى يطلبها الله ﷿، وبالتالى فهى مصدر من مصادر التاريخ. ومن المفيد هنا أن نورد الحديث القدسى الشهير الذى رواه مسلم عن أبى ذر الغفارى عن الرسول عن ربه: (يا عبادى، انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادى، كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى أهدكم.
يا عبادى، كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعمونى أطعمكم. يا عبادى، كلكم عار الا من كسوته فاستكسونى أكسكم. يا عبادى، انكم تخطئون فى الليل والنهار وأنا اغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم. يا عبادى، انكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى، ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى. يا عبادى، لو أن أولكم واخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا. يا عبادى، لو أن أولكم واخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا.
يا عبادى، لو أن أولكم واخركم وانسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل انسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى الا كما ينقص الخيط اذا أدخل البحر. يا عبادى، انما هى أعمالكم أحصاها لكم ثم أوفيكم بها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه) . فالمتأمل فى هذا الحديث القدسى يدرك أنه وان كان موجها للشرية عامة، الا أنه لا بد من مناسبة وظروف بيئية قيل فيها هذا الحديث
_________________
(١) محمد اسماعيل ابراهيم: الأحاديث النبوية والمحدثون. القاهرة، دار الفكر العربى، ١٩٧٣.
[ ١٤ ]
القدسى. انه موجه لأقوام فى الغاية من الغرور. وفى الغاية من الثقة فى أموالهم وقوتهم. يظنون أنهم هم المطعمون للناس الخ.
والواقع، أن علماء الحديث أو المحدثين كانوا هم رواد علم التاريخ عند المسلمين، فقد صار المؤرخون على نهجهم فى (العنعنة) أو (الاسناد) أو نسبة الخبر الى سلسلة من الرواة، فعلوم الحديث تشكل فى حد ذاتها مناهج لتصحيح الخبر، وهو أيضا عمل المؤرخ.
وفيما يلى نذكر بعض القضايا من علم مصطلح الحديث:
علم الجرح والتعديل، ويبحث فى أحوال الرواة من حيث أمانتهم وعدلهم وضبطهم أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان، ويسمى أيضا علم ميزان الرجال.
علم رجال الحديث، وهو علم يتناول تراجم للرواة وحياتهم ومعرفة تواريخ مواليدهم وتواريخ وفاتهم والاشارة لمواطنهم، وحالاتهم العقلية والصحية، وأول من كتب فى هذا العلم هو ابن سعد (توفى ٢٣٠ هـ)، والبخارى (توفى ٢٥٦ هـ)، ابن الأثير فى كتابه أسد الغابة فى معرفة الصحابة (ت: ٦٣٠ هـ) .
علم مختلف الحديث (بكسر اللام)، وهو يبحث فى التوفيق بين الأحاديث التى ظاهرها التناقض.
علم علل الحديث (بكسر العين)، ويبحث فى أسباب القدح فى صحة الحديث أو اتهامه بأنه موضوع.
علم غريب الحديث، ويبحث فى الأحاديث التى ينفرد بها راو واحد موثوق به.
علم الناسخ والمنسوخ من الحديث، وهو علم يبحث فى أوامر أو توجيهات قال بها الرسول ﷺ ثم عدل عنها أو جاء بأوامر وتوجيهات غيرها.
من هذا العرض يتضح أن علماء الحديث فى عصور التنوير الاسلامى لم يكونوا يأخذون الحديث على علاته، وانما كانوا يقومون ازاءه بعملية
[ ١٥ ]
نقد للنص ونقد للراوى، والتأمل فيه والتدبر فى محتواه، وبخاصة أن أحاديث الرسول ﷺ لم تجمع الا فى القرن الثالث للهجرة، أى بعد مضى أكثر من مائتى سنة على نطق الرسول ﷺ بها، مما جعلها عرضة للتزوير والتزييف، وعرضة لأصحاب الغرض والهوى «١» . وقد جعل المحدثون وعلماء الحديث لأحاديث الرسول درجات، فليس كل ما روى عن الرسول ﷺ صحيحا، لأنه لم يدون فى غالبة وقت نطق الرسول به. وقد أفرد علماء الحديث مجموعات لبعض الأحاديث الموضوعة أى المكذوبة على رسول الله منها: المصنوع فى معرفة الحديث الموضوع الذى وضعه على القارى الهروى.
وقد تحاشى (وات) الرجوع للأحاديث المشكوك فيها واكتفى بصحيح البخارى، وهو باختياره هذا قد اختار الأحاديث التى أجرى عليها علماء الحديث منهجهم فى نقد سلسلة الرواة، والمتن أيضا.
وعندما ألف أسد رستم كتابه (مصطلح التاريخ) الذى حقق شهرة واسعة فى جيلى على الأقل، لم يفعل فى الحقيقة الا أنه أعاد صياغة ما ورد فى كتب مصطلح الحديث.