مرة أخرى سنبدأ بسورة العلق (السورة رقم ٩٦) التى تنص ايتها الثامنة على العودة لله (ان الى ربك الرجعى) وهى تعنى أن هناك حسابا بعد الموت «٦»، وتشير السورة ٧٤ أيضا الى الحساب:
(فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) .
واذا كانت كلمة (الرجز) فى الاية الخامسة راجعة لكلمة روجزا Rugza السريانية والتى تعنى الاثم أو ما يقابل الكلمة الانجليزية «٧» Wrath وهى الكلمة التى استخدمت فى ترجمة العبارة الواردة فى انجيل متى (فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون الى المعمودية قال لهم يا أولاد الأفاعى من أراكم أن تهربوا من الغضب الاتى ) . لقد استخدم المترجمون كلمة Wrath للتعبير عن الغضب فى هذه العبارة الانجيلية. نقول اذا كانت الكلمة المستخدمة فى الاية الانف ذكرها (رجز) هى المستخدمة فى هذا النص الانجيلى، فاننا نظن أنها ذات علاقة بأمور الآخرة (اليوم الاخر) . وارتبط الحساب فى الآخرة أيضا بالنشور، أى بعث الانسان من موته ليكون حيا مرة أخرى:
(ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢» السورة رقم ٨٠ (عبس) .
_________________
(١) Bell،op.cit. (٦) Ibid،Bell،Origin،٨٨. (٧)
[ ١٤٠ ]
ونقرأ أيضا فى السورة رقم ٨٦ (الطارق) الاية (٤):
(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) ..) .
ويقابل حافظ هنا الكلمة الانجليزية) Watche فى ترجمات معانى القران الكريم التى بين أيدينا، يقابل كلمة حافظ Protector المترجم) سواء أكان المقصود بكلمة (حافظ) هنا، الله سبحانه ذاته، أم الملك الموكل به تسجيل افعاله.
وفى السورة ٨٤ (الانشقاق) وهى من أوائل ما نزل من القران الكريم وصف مفصل ليوم الحساب:
(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) ..) .
واذا نحينا جانبا ما ورد فى السورة رقم ٥١ (الذاريات) الاية الخامسة وما بعدها، والسورة رقم ٥٢ (الطور) الاية السابعة وما بعدها (سنتعرض لهذه الايات بعد ذلك)، فليس هناك فى الايات القرانية التى نزلت أولا (أول ما نزل من القران) اشارات أخرى مباشرة ليوم الحساب، الا اذا كان وصف محمد ﷺ بأنه «نذير» ينطوى أيضا على معنى الحساب فى الآخرة.
والنقطة الاولى الجديرة بالملاحظة أن فكرة اليوم الاخر فى هذه الايات الأولى لم تكن تحوى الا قليلا أكثر من أن يوم الحساب هذا يعاقب فيه المسىء، ويثاب فيه المحسن، فلم تكن هناك تفاصيل مرعبة أو مبالغ فيها، Lurid details تلك التفاصيل التى حفلت بها صور اليوم
[ ١٤١ ]
الاخر بعد ذلك «٨» . لذا، فاننا نرفض بدون تردد كل ما ذهب اليه الباحثان بوهل Frants Buhl وتور أندريا، Tor Andrae اللذان كان من رأيهما أن الخوف من العذاب الذى سيلقاه الاثم أو الملعون (أو المشرك) كان هو المحرك الأساسى لحياة محمد ﷺ الدينية خلال الحقبة المكية المبكرة. فاذا نظرنا الى كل السور التى أدرجها نولدكه ضمن قائمتيه (السور التى نزلت فى الحقبة المكية الأولى، والسور التى نزلت فى الحقبة المكية الثانية)؛ لكان من المعقول جدا أن نقول انه (فوق كل شىء، كان التفكير فى العذاب الذى سيحيق بالملعون أو العاصى هو الذى زوده بالطاقة وحفز حركة روحه، فأدى ذلك الى مثل هذه النتائج العظيمة) «٩» . وعلى أية حال، فاننا اذا قصرنا النظر على مجموعة الايات والسور القليلة التى اتضح أنها أول ما نزل، لصرفنا النظر عن النتيجة المذكورة انفا واعتبرناها غير معقولة.
ومن ناحية أخرى، فانه يبدو غير صحيح أن نقول ان أول اشارة قرانية للحساب لا تعنى أى شىء فيما يتعلق بالايمان بالاخرويات (الحياة بعد الموت) وان المسألة لا تعدو أن تكون عذابا لحظيا (مؤقتا)، فمجموعة الايات الأولى (التى تعتبر أول ما نزل) التى ندرسها تحوى عدة أمثلة على الايمان بالاخرويات، لكن ليس فيها بالضرورة ايات تشير الى عذاب يحيق بالمشركين خاصة «١٠» واذا ترجمنا للانجليزية الاية السادسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية السابعة من السورة ٥٢ (الطور) على التوالى، لخرجنا بمعنى أن العذاب مؤقت:
(وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) ..) .
llaf ot tuoba si tnemegduJ ehT
(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ..) .
llaf ot tuoba si droL yht fo tnemhsinuP
الا أنه من خلال السياق- على أية حال- نفهم أن كلمة واقع التى قد تعنى (على وشك الوقوع (about to fall قد لا تكون اشارة الى
_________________
(١) Bell،Origin،٨٥. (٨) Buhl،Muhammad،١٢٧. (٩) Bell،Translation of Quran،p. ٦٩٠ (١٠)
[ ١٤٢ ]
قرب حدوث الحساب أو العقاب فى المستقبل القريب، وانما اشارة الى حقيقة هذا العقاب وكونه أمرا مؤكدا سيحدث فى وقت من الأوقات فى مستقبل غير محدد، فلنقرأ الاية الخامسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية الثامنة من السورة ٥٢ (الطور) لندرك سياق الايتين اللتين استشهدنا بهما انفا:
(إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) ..) .
(ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) ..) .
ومن المؤكد أن السور المكية فيها الكثير عن عقاب الله سبحانه لأهل مكة بانزال المصائب المؤقتة (الدنيوية) عليهم، كالمصائب التى نزلت على من كانوا قبلهم ممن عصوا أنبياءهم، لكن لارتباط هذا العذاب برفض رسالة النبى ﷺ فربما كان مرتبطا بالوضع فى مكة بعد أن تطور عن فكرة العقاب فى بداية البعثة النبوية. حقا، ان الايات التى ناقشناها لتونا (٥١/ ٥، ٥٢/ ٧) بتأكيدها على حتمية الحساب وكونه لا مفر منه، تبدو مرتبطة بالمرحلة الثانية لمعارضة المشركين للنبى حين أعلنوا تشككهم فى الحساب بما فيه من ثواب وعقاب. وربما كان مما يستدعى الانتباه أنه يكاد يكون مفهوما أن الحساب الدنيوى (المؤقت) مقتصر على العقاب، أما الحساب الاخروى فيتبعه ثواب وعقاب كما فى سورة الانشقاق التى أوردناها انفا.