ليس هناك أى سبب وجيه يجعلنا نتشكك فى النقطة الأساسية فى الفقرة أ، وهى أن بداية النبوة كانت «الرؤيا الصادقة»، وهذه الرؤى تختلف تماما عن الأحلام، وقد ذكرت الرؤى أيضا فى الفقرتين (ب) و(ى) [بصرف النظر عن ظهور جبريل فى (د) و(ط)] . ويؤكد ما ورد فى (أ) ما نعرفه من سورة النجم، ولكن يمكن أيضا معرفته من ملاحظات محمد (﵊) . وقد ذكرت رؤيتان فى القران:
_________________
(١) * عن جابر ﵁: سمعت رسول الله يحدث عن فترة الوحى، فسورة المدثر أول ما نزل بعد فترة انقطاع الوحى، أما أول ما نزل من القران فى غار حراء فكان كما ثبت فى صحيح البخارى عن السيدة عائشة أنها بداية سورة العلق: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» الى قوله تعالى: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» - (المترجم) .
(٢) الطبرى ١١٥٥ وما بعدها.
[ ١٠٥ ]
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ) .
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) «١٤» .
والتفسير المعتاد لهذه الايات عند المسلمين أن المرئى كان جبريل، ولكن هناك أسبابا تدعونا الى أن نظن أن محمدا (﵊) قد فسرها فى الأصل على أنها رؤية لله ذاته، فان جبريل لم يذكر فى القران الا فى المدينة، والتعبير «عبده» فى الاية ١٠ لابد أنه يعنى عبد الله كما يجمع المسلمون، ولكن ذلك يجعل التركيب اللفظى غير منسجم الا اذا كان الله هو المعنى بالأفعال*.
كذلك فان الجملة التى فى نهاية الفقرة (ب) وهى قول الزهرى:
«حتى فجأه الحق وقال » لها أهمية مشابهة، لأن كلمة «الحق» من أساليب الاشارة الى الله**، وكذلك يمكننا أن ننظر الى الفقرة (ج)
_________________
(١) السورة ٥٣/ ١- ١٨. * ليس هناك خلاف بين المسلمين فى أن رؤية الله ﷿ فى الدنيا مستحيلة. ** الحق من أسماء الله الحسنى. ولكن كلمة «حق» لها معان متعددة من أراد معرفتها فليرجع الى أحد قواميس اللغة العربية، مثل لسان العرب أو المعجم العربى الأساسى. ومن معانيها التى تهمنا فى هذا المقام: هو الشىء الثابت الذى لا شك فيه مثل قول الله ﷿: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) . فقول السيدة عائشة: «حتى فجأه الحق وقال..» يعنى فجأه الأمر الحق الذى ليس فيه شك وهو الوحى من الله، كما أنه قال: (يا محمد أنت رسول الله) ولو كان الذى جاءه هو الله كما يظن لقال: (أنت رسولى) . وفى رواية البخارى عن السيدة عائشة أنها قالت: (حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال ) فهذه الرواية لحديث السيدة عائشة، وهو نفس الحديث الذى رواه الزهرى بصيغة مختلفة وأورده المؤلف، دلالة واضحة على معنى كلمة «الحق» لأنها قالت: «فجاءه الملك» . فالحق هنا كما قال ابن حجر العسقلانى فى شرحه لصحيح البخارى هو (الأمر الحق)، أو كما قال اخرون هو (الدين الحق) .
[ ١٠٦ ]
بنفس الطريقة، لأن النص يقول: «فجاءنى وقال»، وكذلك فان بعض روايات جابر فى شرح سورة النجم تقول، على لسان محمد (﵊): «فنوديت فنظرت بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى فلم أر شيئا ثم نظرت الى السماء فاذا هو على العرش..» «١٥» *.
ربما كان هذا هو تفسير محمد (﵊) الأصلى لهذه الروايات**، الا أنها لم تكن بأية حال التفسير النهائى، لأنه يتناقض مع ما ورد فى سورة الأنعام، الاية ١٠٣: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» ***، ومع ذلك، فان سورة النجم، بالرغم من أنها تحتمل هذا التفسير، الا أنه يمكن أيضا النظر اليها بطرق أخرى، فان التعبير «مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» لا تعنى رؤية الله بالطبع، ولكن يمكن فهمها على أنها تعنى أن ما راه محمد (﵊) كان علامة أو رمزا لمجد الله وجلاله. كما توحى الاية ١١ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» والتى
_________________
(١) صحيح البخارى، وانظر أيضا A.Bell،Mohammads Call،in MW،xxiv،١٩٣٤،pp. ١٣ -١٩.: وانظر أيضا Noldeke -Schwally،١،٢٣ Ahrens،Mihammad،٣٩ f.: * لم يقل أحد من المسلمين المتقدمين والمتأخرين أن قول رسول الله ﷺ «هو» مقصود به الله. فاذا كان «هو» من أسماء الله الحسنى، فانه فى نفس الوقت ضمير اشارة للغائب. وفى رواية أخرى لجابر بن عبد الله يقول فيها نقلا عن رسول الله ﷺ: «فاذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض» وهى تدل صراحة على أن الذى راه الرسول ﵊ هو جبريل وليس الله ﷾ عن ذلك علوا كبيرا. ** هذه الروايات عن بدء الوحى وظهور جبريل ﵇ للرسول ﵊ ليست رؤى منامية كما يشير اليها المؤلف وانما كانت فى اليقظة لأنها لو كانت رؤى منامية لما فزع منها رسول الله ﷺ كما ذكر. *** يتحدث المؤلف عن رسول الله ﷺ كما لو كان يفسر القران برأيه هو، ونسى أنه قال منذ أسطر قليلة ان سورة النجم تقول: (وما ينطق عن الهوى. ان هو الا وحى يوحى) . ولم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: من تكلم فى القران برأيه فأصاب فقد أخطأ (رواه أبو داود والترمذى والنسائى) . وقال أيضا: من قال فى القران بغير علم فليتبوأ مقعده من النار (رواه أبو داود) . ولم يرد فى أى من التفاسير التى رجعت اليها وهو تفسير القرطبى والفخر الرازى والألوسى وابن كثير أن رسول الله ﵊ قد فسر ايات سورة النجم على أن المرئى هو الله ثم عاد فأنكر ذلك- (المترجم) .
[ ١٠٧ ]
ربما أضيفت فيما بعد* «١٦»، بتطور اخر فى هذه النظرية، بمعنى أنه بينما أدركت العينان العلامة أو الرمز، أدرك القلب الشىء المرموز.
فاذا كان محمد (﵊) قد فسر الرؤية فى البداية على أنها رؤية الله مباشرة، فان هذا يتضمن أنه بالرغم من أن تفسيره لم يكن دقيقا تماما الا أنه لم يكن مخطئا فى الأساسيات**، وربما كان يحسن بنا أن نترجم الاية بحيث نقول: «لم يخطىء القلب فيما رأى الانسان» . وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفادى أن يكون المرئى هو جبريل***، وهو أمر مخالف للتاريخ، كما يمكننا أيضا أن نتفادى التناقض مع النظرة الاسلامية فى أن محمدا لم ير الله «١٧» .
هذا التفسير المنهجى للرؤية ليس له أهمية كبيرة بالنسبة لحياة محمد (﵊) بقدر ما له أهمية فى تطوره الدينى.
وسنتناول ذلك عند حديثنا عن «أنت رسول الله» .
(يرى كارل ارنز Karl Ahrens «١٨» أن التعبير «رَسُولٍ كَرِيمٍ» (التكوير، ١٩) هو الذى ذكر من قبل باسم «الروح» . ويدلل
_________________
(١) Bell،translation of Quran،od hoc. (١٦) * من المعروف أن القران نزل منجما، أى متفرقا، على مدى ثلاث وعشرين سنة هى مدة بعثة الرسول ﵊. لهذا، فان الايات التى تضهما سورة واحدة قد تكون نزلت على فترات زمنية طويلة. وهناك من السور المكية ما فيه ايات مدنية والعكس. وفى سورة النجم- وهى مكية- اية نزلت فى المدينة هى قول الله ﷿: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ..» الاية (الاية ٣٢) . ولكن لم يرد فى طبعات المصاحف القديمة ولا فى التفاسير التى رجعت اليها ما يشير الى أن الاية ١١ بالذات وهى قول الله ﷿: «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» قد أنزلت فى وقت لاحق لنزول الايات العشر التى سبقتها، وقول المؤلف «ربما أضيفت فيما بعد» يدل على عدم التأكد من هذا الزعم الذى نقله عن ترجمة بل Bell للقران كما ذكر فى هامش كتابه- (المترجم) . ** هذا الكلام مرفوض اسلاميا جملة وتفصيلا للأسباب التى ذكرت فى التعليقات السابقة- (المترجم) . *** المعول عليه هو النص العربى، لا الترجمة الانجليزية التى قد لا تكون دقيقة- (المترجم) .
(٢) حديث عن عائشة فى صحيح البخارى، ٦٥ فى ٥٣/ ١. Muhammad،٤١. (١٨)
[ ١٠٨ ]
على ذلك بأنه لا ذكر لاسم جبريل فى السور المكية وانما ذكرت «الملائكة» بالجمع فقط مثل «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها» (القدر، ٤)، وأيضا «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» «الشعراء، ١٩٣)، وهذا الرأى يتوافق مع وجهة النظر التى ذكرتها هنا) .