تساءل المؤرخون الغربيون عن مسألة وجود هجرتين منفصلتين (أولى وثانية) الى الحبشة، خاصة الباحث كيتانى «٢١» Caeteni الذى اعتمدنا فى المناقشات التالية اعتمادا كبيرا على معالجته لهذه المسألة. ان السبب الرئيسى لرفض فكرة وجود هجرتين منفصلتين هو أن ابن اسحق- كما نقل ابن هشام والطبرى- لم يذكر فى الحقيقة أن هناك هجرتين. انه لم يقل الا ان أوائل من هاجر الى الحبشة هم
ثم أعطانا قائمة موجزة، ثم واصل حديثه قائلا ان جعفر بن أبى طالب خرج مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا اثر الاخر. انه لم يذكر أن أحدا ممن ورد فى القائمة الأولى عاد الى مكة أو المدينة ليهاجر ثانية الى الحبشة، وأن القائمتين ليستا مرتبتين وفقا لوجود هجرتين (أولى فثانية)، وانما وفقا لأسبقية تدوين أسماء المهاجرين فى السجلات العامة للدولة بعد ذلك، أو هذا ما نفترضه. فأبو صبرة يقال انه أول من وصل للحبشة مهاجرا «٢٢» وعمرو بن سعيد بن العاص يقال انه هاجر للحبشة بعد هجرة أخيه خالد بعامين «٢٣» . هذه الحقائق، بالاضافة لكلمة (تتابع)، تفيد أنه لم تكن هناك مجموعتان كبيرتان، وانما عدد من المجموعات الصغيرة.
والانطباع الذى نخرج به من رواية ابن اسحق أن هناك قائمتين (مجموعتين كبيرتين) يذكرهما الناس فى أيامه عن مهاجرين ذهبوا للحبشة، لكنه غير متأكد عن الصلة الحقيقة بين هاتين المجموعتين (هاتين الهجرتين) . اننا نستطيع أن نقدم تفسيرا بسيطا لكيفية تحول الهجرة الواحدة الى هجرتين (على فرض أن فرضنا بأنها أساسا هجرة واحدة هو فرض صحيح)، وأن نفسر أيضا الأسماء الواردة فى القائمتين.
_________________
(١) Ann، i، pp.٢٦٢- ٢٧٢; cf.Buhl، in Noldeke- Festschrift، Giess en، ١٩٠٦، i، ١٣- ٣٢.
(٢) الطبرى، ١١٨٤.
(٣) ابن اسحق، هج ٤، ١، ٧٣، ١٤.
[ ٢٣٥ ]
فى سنة ١٥ هـ، طور الخليفة عمر بن الخطاب نظاما يتلقى المسلمون بمقتضاه أعطيات سنوية من الخزانة العامة للدولة (بيت المال) مقابل خدماتهم فى الحرب والادارة. وكانت هذه الاعطيات تختلف وفقا للأسبقية الى الاسلام فالأسبق يتقاضى مبلغا أكبر من المبلغ الذى يتقاضاه من أسلم بعده، وفى هذا النظام الجديد الذى اعتمد سنة ١٥ هـ كانت أعلى طبقة بعد زوجات الرسول (ﷺ) وعشيرته هى طبقة البدريين (الذين شاركوا كمسلمين فى غزوة بدر مع الرسول ﷺ) لكن يبدو من المحتمل أنه فى وقت سابق كانت الطبقة العليا هى التى تمثل المهاجرين.
وبالرجوع للمناقشات التى دارت حول هذا الموضوع، يتضح أنه من المؤكد أن قيام المسلم بالهجرة الى الحبشة أو الهجرة الى المدينة أو كلتيهما كان مدعاة لشرف خاص؛ اذ كان يرفع قدر القائم بالهجرة الى الدرجات العلا فى سلك النبالة الجديد. (وفقا للمعابير الجديدة للنبالة بعد الاسلام) .
وهذه المناقشات تكاد تكون موضوعة فى زمن لاحق مادامت قد فقدت معظم عناصرها بعد الاصلاح الذى أنجزه عمر بن الخطاب (﵁)، فما حدث بالفعل يمكن اعادة بنائه على النحو التالى (أو يمكن أن نتصور ما جرت عليه الأمور كالتالى):
فى عام ٧ هـ، أراد محمد (ﷺ) على نحو خاص أن يدعم وضعه بالحصول على تأييد المجموعة الصغيرة التى ما زالت فى الحبشة فأرسل اليهم رسولا ليؤكد لهم ترحيبه الحار وليرافقهم فى العودة، فعادوا معه أو على الأقل عاد بعضهم فتلقاهم الرسول بقبول حسن وأشركهم فى غنائم خيبر التى كان محمد (ﷺ) قد فتحها لتوه. ربما منذ ذلك الوقت أطلق لفظ (الهجرة) على الذين ذهبوا للحبشة وبالتالى أصبحوا (مهاجرين)، وكان هذا بدعم من محمد (ﷺ) نفسه كمبرر لمعاملته الكريمة جدا لجعفر وجماعته، فكان لا بد من هذا المبرر لتعليل مساواتهم بالمهاجرين الى المدينة المنورة. ولسوء الحظ، فان هذا جعل من الممكن لبعض من قضى فى الحبشة فترة قصيرة ثم هاجر من مكة الى المدينة أن يطالب لنفسه بحق فى هجرتين. وقد تجنب محمد (ﷺ) ذلك بتوسيع مفهوم الهجرة بأن قال ما يفيد أنهم هاجروا مرة الى الحبشة وهاجروا من
[ ٢٣٦ ]
الحبشة اليه (أى الى الرسول ﷺ) «٢٤» . وعند تفحصنا لقائمة المهاجرين الأولى للحبشة (من بين القائمتين المذكورتين انفا)، سنجد أنه من المحتمل أنها قائمة غير كاملة بمن قاموا بهجرتين احداهما للحبشة والاخرى للمدينة، وليس من الضرورى أن تكون كلتا الهجرتين الى الحبشة. فمعظم من كانوا فى الحبشة واعتبروا أيضا من المهاجرين الى المدينة (المنورة) هم الذين وردوا فى هذه القائمة الأولى «٢٥» .
ويبدو أن عمر بن الخطاب كان من بين المعارضين الرئيسيين لهذه المعاملة التفضيلية للذين قضوا فترة أطول فى الحبشة. فعلى الأقل هناك رواية لا زالت محفوظة عن نزاع بين عمر بن الخطاب وزوجة جعفر ابن أبى طالب تدخل محمد ﷺ لتسويتها «٢٦» *. هذا يلقى ضوا
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ص ٤، مج ١، ٧٩- ٧٨. وانظر أيضا، ص ٨ والحاشية فى ص ٢٠٥.
(٢) انظر الملحق (ز) باخر الكتاب.
(٣) البخارى، ٦٤، ٣٨ (ج ٣، ١٢٨ وما بعدها) الترجمة ج ٣، ص ١٦٢. * لم نستطع الاستدلال على حديث بهذا المعنى فى طبعات صحيح البخارى التى بين أيدينا (على سبيل المثال طبعة دار احياء الكتب العربية- البابى الحلبى) . لكن هناك أحاديث تشير لفضل من هاجروا الحبشة واعتبارهم أصحاب هجرتين، وفيما يلى الأحاديث التى أوردها صحيح البخارى (الطبعة المتاحة لنا) عن كل ما يتعلق بالهجرة للحبشة: ( باب هجرة الحبشة. وقالت عائشة: قال النبى ﷺ: دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينه ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة الى المدينة. فيه عن أبى موسى وأسماء عن النبى ﷺ. حدثنا عبد الله بن محمد الجعفى حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهرى حدثنا عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدى بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان فى أخيه الوليد بن عقبة وكان أكثر الناس فيما فعل به. قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج الى الصلاة فقلت له: ان لى اليك حاجة وهى نصيحة فقال أيها المرء أعوذ بالله منك فانصرفت فلما قضيت الصلاة جلست الى المسور والى ابن عبد يغوث فحدثتهما بالذى قلت لعثمان وقال لى فقالا قد قضيت الذى كان عليك فبينما أنا جالس معهما اذ جاءنى رسول عثمان فقالا لى قد ابتلاك الله فانطلقت حتى دخلت عليه فقال ما نصيحتك التى ذكرت انفا قال فتشهدت ثم قلت: ان الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ وامنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس فى شأن الوليد بن عقبة فحق عليك أن تقيم عليه الحد فقال له يا ابن أخى أدركت رسول
[ ٢٣٧ ]
على المفاهيم الكاملة وراء التصنيف (أو التقسيم) الذى اختاره عمر ابن الخطاب لنظام الأعطيات الذى أخذ به. فليس هناك ذكر للهجرة فنتج عن ذلك أن هؤلاء الذين عادوا من الحبشة
وفق غزوة خيبر، هؤلاء فقط هم الذين صنفوا بعد البدريين (الذين شهدوا غزوة بدر مع الرسول) بطبقتين.