ليس هناك ما يدعو الى الشك فى أن محمدا (ﷺ) كان يذهب الى حراء، وهو تل على مسافة قريبة من مكة، سواء كان ذلك مع عائلته أو بدونها. وربما كان ذلك وسيلة للهروب من حرارة مكة فى موسم متعب لمن كانوا لا يستطيعون الذهاب الى الطائف*، وتبين التأثيرات اليهودى- مسيحية مثل الرهبان، أو بعض التجارب الشخصية، الحاجة والرغبة فى العزلة.
المعنى الدقيق لكلمة التحنث، وكذلك اشتقاقها، غير مؤكد بالرغم من أنه من الواضح أنها تعنى نوعا من الرياضة التعبدية، وربما كان أفضل الاراء هو ما ذكره هـ. هيرشفيلد «١٩» H.Hirschfeld أنها مشتقة من الكلمة العبرية تحنوت أو تحنوث، والتى تعنى التعبد لله.
ومع ذلك فربما تأثر المعنى بالأصل العربى، فان كلمة حنث (بكسر الحاء وسكون النون) تعنى الرجوع فى قسم أو عدم القدرة على الوفاء به، وذلك يعتبر بصفة عامة خطيئة. وبالتالى فان كلمة «تحنث» تعنى «فعل ما يخرج به من الخطيئة أو الجريمة»، وهكذا قد يكون استخدام كلمة «تحنث» هنا دليلا على أن مادتها قديمة وأنها بهذا المعنى أصيلة «٢٠» .
_________________
(١) * ذكر ابن اسحق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن حارثة قال: وكان رسول الله ﷺ يخرج الى حراء فى كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية، وكذلك روى عن عبد الله بن الزبير مثل ذلك. مما يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين فى قريش أنهم يجاورون فى حراء للعبادة- (المترجم) .
(٢) New researches into the Composition Exegesis of the Quran.London، ١٩٠٢، p.١٠.Supported by C.J.Lyall in JRAS، ١٩٠٣، p.٧٨٠.
(٣) وهذا يناقض رأى كيتانى Caetani،Ann،i،p. ٢٢٢،n. ٢..
[ ١٠٩ ]
ربما نستطيع أن نتصور هذا الملخص لما حدث قبل النداء الاول لمحمد (﵊) وما نزل فيه من الوحى. لا شك أن محمدا (﵊) كان مدركا منذ شبابه لبعض المشاكل الاجتماعية والدينية فى مكة. ولا شك أيضا أن وضعه كيتيم جعله أكثر ادراكا للانحرافات التى فى المجتمع. ومن الناحية الدينية، يمكننا أن نفترض أنه كان يدين بالتوحيد المبهم الذى كان عليه أغلب المتنورين من أهل مكة. ولكن لا بد أنه كان، بالاضافة الى ذلك، يتطلع الى نوع من الاصلاح فى مكة. وكان كل شىء حوله يوحى بأن هذا الاصلاح يجب أن يكون دينيا، وفى هذا الاطار الفكرى كان من الواضح أن يتعمد محمد (﵊) السعى الى الواحدة ليلجأ الى الأمور الالهية ويؤدى بعض العبادة، ربما طلبا للتكفير عن الخطايا. وربما سبقت بعض الممارسات الدينية هذه (الخلوة) ولكننا لا نعرف شيئا عنها.
وتذكر الروايات التقليدية أن الرؤى أتت أثناء الخلوة، ولكن التواريخ المقارنة للأحداث المختلفة فى بعثة محمد (﵊) ليست مؤكدة بصفة عامة. فأحيانا يقال ان الظهور* لم يكن متوقعا، وفى أحيان أخرى يبدو أن خديجة (﵂)، لم تكن بعيدة**.