ليس من سبب يجعلنا نرفض الرواية القائلة ان خديجة قد شدت من أزر محمد ﷺ، فمن الواضح أن محمدا كانت تنقصه فى هذه المرحلة الثقة بالنفس*، فالصورة العامة لا يمكن أن تكون مبتدعة رغم أن
_________________
(١) Interior Castle، Sixth Mansion، iii، ١٢، quoted from Poulain، Graces of Interior Prayer، ٣٠٤ f. * هذا التعبير مرفوض، فثقة الرسول ﷺ بنفسه وبربه كانت واضحة دائما وفى صعب الأحوال كغزوة أحد- (المراجع) .
[ ١١٩ ]
التفاصيل قد يكون لحقتها اضافة نتيجة الاستنتاج الخاطىء أو بفعل التخيل.
وشد أزر ورقة بن نوفل لمحمد كان بالاضافة لجهود خديجة أمرا مهما. وليس هناك سبب قوى يدعونا للشك فى صحة العبارة التى وردت بها كلمة (الناموس) على لسان ورقة. فاستخدام هذه الكلمة غير القرانية- بدلا من كلمة التوراة القرانية- دليل على صحة هذه الرواية.
ومن ناحية أخرى، فان بقية الرواية تبدو لشرح موقف ورقة الذى لم يتحول للاسلام رغم تصديقه لمحمد ﷺ، ولسبب قريب من هذا كانت الرواية التى جعلت محمدا يقابل ورقة أفضل من تلك التى جعلته لم يقابله.
وأكثر من هذا، فبعض الروايات تجعل موت ورقة بعد بعثة محمد بعامين أو ثلاثة، وأخرى تزيدها الى أربعة «٣٧» .
وكلمة الناموس- عادة ما ينظر اليها على أنها من الكلمة اليونانية نوموس «٣٨» Nomos التى تعنى الشريعة أو الكتاب الموحى به؛ وبالتالى فهى ملائمة تماما للحديث عن موسى (كما ورد فى حديث ورقة) فملاحظة ورقة اذن كانت موجهة لمحمد ﷺ عند تلقيه الوحى، وربما كانت هذه الملاحظة تعنى أنه مادام محمد قد تلقى هذا الوحى فانه مثل موسى وعيسى وأن ما نزل عليه مماثل للتوراة والانجيل، أو على الأقل على الدرجة نفسها أو من النوع نفسه. وهذه الفكرة التى ذكرها ورقة قد تشير أيضا الى أن محمدا لابد أن يكون مؤسسا أو مشرعا لأمة (أو لجماعة أو لمجتمع.Community (واذا كان محمد فى مرحلة تردد- وهذا ما يبدو معقولا- فان هذا التشجيع الذى لاقاه لابد أن يكون ذا أهمية عظمى فى تطوره الداخلى (نموه النفسى) .
وثمة صعوبات طفيفة فيما يتعلق بترتيب الحوادث، فالايات الأخيرة من أول ما نزل من الوحى ( الذى علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم) والتى تشير بتأكيد غالب لوحى سابق، عادة ما يفسر المسلمون اية (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) على أنها تعنى الذى علم الانسان كيف يستخدم القلم، لكن هذا التفسير لا يوجد ما يدل عليه خاصة اذا كان محمد ﷺ
_________________
(١) Caetani -Ann،i،pp. ٢٣٨. ٢٦٠. (٣٧) Ibid،p. ٢٢٢،n. ٦. (٣٨)
[ ١٢٠ ]
لا يعرف القراءة والكتابة. والان، فمن بين الرجال الذين عرفناهم مع محمد ﷺ فان ورقة كان على صلة وثيقة بمحمد وكان معروفا بدراسته للأناجيل «٣٩» . فهذه الايات القرانية الانف ذكرها (اقرأ ) كانت تذكر محمدا ﷺ عند قراءتها بما هو مدين لورقة بن نوفل به. انه لأمر مغر أن نفكر أنها نتيجة ملاحظة ورقة عن الناموس لكن هذا يتطلب وحيا قبل سورة اقرأ لتكون أساسا لهذه الملاحظة. ومن الأسهل أن نفترض أن محمدا كان على صلة متتابعة بورقة بن نوفل منذ فترة مبكرة سابقة على الوحى. والأفكار الاسلامية اللاحقة قد تكون اختلطت الى حد كبير بأفكار ورقة، كعلاقة الوحى الذى نزل على محمد ﷺ بالوحى الذى نزل على موسى وعيسى (﵉) .