وردت جملة «أنت رسول الله» أربع مرات فى الفقرات (ب)، (ج)، (د)، (ط) من حديث الزهرى. قالها جبريل فى المرتين الأخيرتين، وفى المرة الأولى قالها «الحق»، وفى الثانية ذكر بصيغة الغائب «فجاءنى»، وتختلف الملابسات فى الحالات الأربع، فهل هذه مجرد روايات أربع لحادثة واحدة ولكن اختلفت الألفاظ بطريقة أو أخرى؟
ونظرا لأن جبريل لم يذكر فى القران الا بعد فترة طويلة، فان ذكره فى
_________________
(١) * يقصد ظهور الملك للرسول ﵊- (المترجم) . ** يقصد لم تكن بعيدة عن توقع ما حدث للرسول ﵊- (المترجم) .
[ ١١٠ ]
هذه المرحلة المبكرة مشكوك فيه*. ظاهريا يمكننا أن نصنف هذه الأخبار صنفين على الأقل: (ب) وربما معها (ج) تصفان النداء الأصلى له بأنه رسول، بينما يبدو أن (د)، (ط) كانا تأكيدين لذلك ليطمئن فى وقت كان فيه قلقا.
اذا كانت الفقرة (ب) تشير الى النداء الأصلى، فما العلاقة بينها وبين الرؤى؟ لقد جاء وصف الرؤية الأولى فى سورة النجم فى اية تفند اعتراضات معينة أثارها أهل مكة ضد الموثوقية فى الوحى الذى نقله محمد (﵊) اليهم، ومعنى ذلك أنه كان قد أعلن بعض ما أوحى به اليه على الأقل وربما أكثر. فالحديث عن الرؤية فى هذا السياق يبين أنه لابد أن يكون للرؤية علاقة بتلقى الوحى، ومع ذلك فليس هناك ما يدل على أن الرؤية قد صاحبها تلقى ايات معينة، بل اننا اذا ناقشنا أكثر من ايتين نجد أن ذلك مستحيل. ويبدو أن النتيجة العامة للرؤية شىء أكثر عمومية مثل التأكيد على أن هذه الايات كانت رسائل من الله. وربما التأكيد أيضا على أن محمدا (﵊) قد أمر باعلانها، وهذا يعنى الافتراض المسبق بأن محمدا (﵊) قد تلقى الوحى بالفعل عدة مرات. ولكنه لم يكن واثقا من حقيقة طبيعة هذه الكلمات التى جاءت اليه، أما الان فقد أخبر بذلك وجاءه التأكيد. أو يمكننا أن نعتبر الرؤية نداء كى يلتمس الوحى، وربما كان محمد يعرف شيئا عن طرق استقرائه**. ولكن الرأى الأول أكثر احتمالا بصفة عامة، ويتفق مع هذا الرأى وجهة النظر «٢١» التى تقول
_________________
(١) * الحديث الذى يشير اليه المؤلف رواه الزهرى عن السيدة عائشة ﵂. والسيدة عائشة لم ترو الأحاديث عن رسول الله الا بعد وفاته ﷺ أى بعد ٢٣ عاما من الأحداث التى يعلق عليها المؤلف، وهى مدة كافية لأن يعلم الرسول أن الملك الذى جاءه فى حراء كان جبريل، وبالتالى يخبر السيدة عائشة بهذا الخبر الذى روته عنه. فليس هناك اذن أى ارتباط بين عدم ذكر اسم جبريل فى السور الأولى من القران وبين ذكره فى هذا الحديث، لأن الفاصل الزمنى بينهما طويل. ** عندما انقطع الوحى عن الرسول ﷺ حزن حزنا شديدا وكاد يقتل نفسه كما سبق أن أورد المؤلف (لا داعى للادعاء بأنه كاد يقتل نفسه، فالرسول لا يفكر فى هذا الاتجاه)، ومعنى هذا أن الوحى يأتيه فجأة- (المترجم) . Mohammeds Visions.R.Bell. (٢١)
[ ١١١ ]
ان ما ألهم به أو أوحى اليه به كان «الخط العملى للهدى» الذى كان يتبعه بالفعل. فاذا كان الهدف من الرؤية شيئا عاما، فان هذا يناسب تماما الفقرة ب. من المحتمل أن تكون الكلمات «أنت رسول الله» لم تكن كلاما خارجيا، بل ربما لم تكن حتى كلاما تخيليا، وانما كلام ذهنى، بمعنى أنه لم يسمع بأذنيه ولا حتى تخيل نفسه يسمع، وانما كانت هذه الكلمات نوعا من الاتصال الذى أتاه من غير كلمات «٢٢» . بل ربما صيغت الكلمات بعد الرؤية الفعلية بزمن طويل.
هل يمكن تكرار مثل هذه التجربة؟ ان ذلك ليس مستحيلا. وربما يتضمن الاقتران بين رؤيتين فى سورة النجم بعض التشابه فى المضمون، ومن ناحية أخرى لم يذكر الوحى فى الرؤية الثانية وانما ينظر اليها دائما على أنها تشير الى الجنة. لا تقدم الفقرات (ج)، (د)، (ط) الكثير من المساعدة. فالأخيرتان لا تعتبران نداء لمحمد (﵊) بقدر ما أنهما اعادة التأكيد له وتذكيره بالنداء الأصلى. ومن الطبيعى أن نفترض أن محمدا (﵊) كان يتذكر الرؤية الأولى فى الأوقات التى كان يشعر فيها باليأس. وربما كان التفكير فيها يلمع فى عقله فى اللحظات الحرجة ويعزوها الى قوة عليا، ومهما كانت الحقائق حول هذه الذكريات فانها ليست فى أهمية التجربة الأصلية.