وعلى أية حال، فليس بالعبادة فقط يستجيب الانسان للطف الله وفضله وانما بأفعال أخرى فاضلة. «١٤» ethical activity انه لأمر
_________________
(١) سورة المزمل.
(٢) ٨٠/ ٢٣.
[ ١٤٦ ]
شائق ومهم أن نتعرف على القيم الاخلاقية التى يغرسها القران (الكريم) .
اننا نجد فى بعض الايات الأولى التى نتناولها بالدراسة فى هذا الفصل- كلمة (تزكى) وهى كلمة غامضة شيئا ما. ففى السورة رقم ٨٠ (عبس) يتلقى محمد ﷺ توبيخا من ربه لأنه صرف اهتمامه لرجل ثرى مهم أكثر مما اهتم برجل أعمى، على أنه- محمد ﷺ- لا يدرى فلعل هذا الأعمى يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى (يزكى (purify himself وحتى اذ لم يزك هذا الرجل الثرى does not purify himself فلن يضار محمد ﷺ شيئا لأن من يزكى فانما يزكى لنفسه. «١٥» prospered has he who purifies himself ان مفهوم الكلمة معقد بعض الشىء وقد ناقشنا ذلك فى الملحق رقم (د) بهذا الكتاب.
أما هنا فلا بد من ايراد النتائج التى وصلنا اليها. ودليلنا الى ذلك هو الملاحظة التى أوردها الشارح ابن زيد «١٦» ان (التزكى) فى القران الكريم تعنى (الاسلام) الذى يعنى تطهير النفس باسلامها لله ﷾. ويبدو أنه عند التفسير ينحو المفسرون نحو ذلك، لكن هناك اختلافا طفيفا فيما يتعلق بالمعنى الدقيق الذى نتناوله هنا. فكلمة تزكى فى المرحلة المكية (وربما فى بداية المرحلة المدنية) ترد فى النص القرانى بالمعنى نفسه لجذر الكلمة بالعبرية والارامية والسريانية. انها اذن تعنى (التطهر الخلقى) وهى فكرة غامضة وصلت للعقل العربى من خلال تأثيرات يهودية ومسيحية، فى مقابل (التطهر الطقسى) أو (التطهر الشعائرى)، أو (التطهر بممارسة عبادات بعينها ritual purity (الموجود فى العقائد الوثنية العربية، وفى مقابل التطهر المادى) physical كالاستحمام وغسل اليدين.. الخ) . وعادة ما يكون هذا التطهر الخلقى مرتبطا بالحياة الاخرى ويجعل المرء يفكر فى نوعيات هذه الحياة (الروحية أو الخلقية أساسا)، حيث يحظى الانسان بالسعادة الأبدية (بالجزاء الخالد) . ويكاد يكون معنى التطهر الخلقى مساويا لما نقصده
_________________
(١) راجع النص القرانى ٨٧/ ١٤، ٩١/ ٩ وما بعدها.
(٢) تفسير الطبرى، ٧٩/ ١٨.
[ ١٤٧ ]
بالصلاح والاستقامة والتقو، righteousness or uprightness وفى بعض الاحيان- ربما فى أغلب الأحيان- نجد الكلمة أيضا لا تعنى أكثر من أن يتخذ المرء من (الصلاح والتقوى) هدفا له وشعارا فى الحياة.
ان الكلمة- على هذا- وصف لما يمكن مقارنته بأسلوب الحياة الذى اتبعه محمد ﷺ قبل البعثة، مع تركيز على الجوانب الخلقية.
ما تفاصيل ذلك؟ وما المحتوى الخلقى لهذه العقيدة فى شكلها الأصلى؟ اننا لا نجد الكثير مما يساعدنا فى قائمة اسماء المسلمين الأوائل. ونحن نجد توجيهات لمحمد ﷺ (رغم أن هذه التوجيهات قد تكون لغيره)، ففى السورة رقم ٩٠ (البلد) نقرأ:
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) ..) .
وفى السورة رقم ٩٣ (الضحى) نقرأ:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ..) .
لا بد اذن أن نخطو خطوة أخرى، وفيما يلى أمثلة مما ورد فى السور التى أوردها نولدكه باعتبارها نزلت فى المرحلة الأولى، والتى اعتبرها بل Bell أيضا من السور المكية المبكرة أو المكية عامة. وسنوردها كاملة هنا لأنه من الأهمية بمكان أن نصل الى انطباع كامل عن هذه الايات.
السورة الأولى وفقا لترتيب نولدكه التى تعبر عن هذه المعانى الخلقية هى سورة الهمزة (السورة ١٠٤) الايات من ١ الى ٣:
[ ١٤٨ ]
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) ..) .
والنص القرانى التالى، وهو أيضا من أوائل ما نزل من القران الكريم، يمكن أن نجعل له عنوانا هو (الطريقان) «١٧»:
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) ..)
السورة ٩٢ (الليل) .
وتشير السورة ٦٨ (القلم) فى الايات من ١٧ الى ٣٣ الى قصة رجال قرروا جمع ثمار بستانهم فى يوم بعينه دون أن يجعلوا للفقراء نصيبا منه وأصبحوا فلم يجدوا ثمارا واكتشفوا أنهم من الطاغين.
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) ..) .
_________________
(١) Bell،op.cit. (١٧)
[ ١٤٩ ]
وفى سورة النجم (رقم ٥٣) نقرأ هذه الايات:
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) ..) .
والمعنى نفسه نجده فى سورة العاديات (رقم ١٠):
(إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ..) .
وفى سورة الفجر (٨٩) نجد تأنيبا للانسان على سلوكه:
(كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) ..) .
وفى سورة الحاقة (٦٩) نقرأ هذا الوصف لرجل كان لا يؤمن باليوم الاخر:
(إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) ..) .
وقد قدمت لنا سورة الذاريات (٥١) - من ناحية أخرى- وصفا للأتقياء كالتالى:
(كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) ..) .
وعلى النحو نفسه نقرأ فى السورة (٧٠) (المعارج) وصفا لمن يدخل جهنم لأنه جامع للثروة بخيل بها:
[ ١٥٠ ]
(كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) ..) .
ان محتوى هذه الايات- بالاضافة لشجب الكفر بالله ورسله ورسالاته- يتصل بالجانب الأخلاقى. ان الايات تشير- ببساطة- الى أنه أمر طيب أن نطعم الفقراء والمحرومين، وانه لأمر سيىء أن نجمع المال لأنفسنا. وأكثر من هذا، ان هذا هو المحتوى الأخلاقى الوحيد للسور التى درسناها (باعتبارها أول ما نزل من القران الكريم) اذا استثنينا من ذلك الاشارة للمطففين (العابثين بالكيل والميزان) * فى سورة المطففين، والاشارة لعدم العفة فى سورة** المعارج، وهذه الايات ربما نزلت فى المرحلة المكية المتأخرة والمدنية على التوالى «١٨» . والاشارة الى قتل الأطفال فى السورة ٨١ (التكوير) وهى مسألة خطيرة وليست عادية أبدا*** تجعلنا أمام حقيقة مثيرة ومربكة، وتعد معضلة ذات أهمية كبيرة لفهم طبيعة الكيرجما القرانية) Quranic Kerygma المقصود خواص المحتوى القرانى) . فالجانب الخلقى (الأخلاقى) المتعلق بالوصايا) decalogue الكلمة الانجليزية المستخدمة تعنى الوصايا العشر) لا وجود لها غالبا، فليس هناك اشارة الى احترام الوالدين واحترام الحياة، والزواج والملكية، والصدق فى الشهادة- فى بواكير ما نزل من القران، كل ما فى الأمر هو النهى عن تمنى أو اشتهاء ما فى أيدى الاخرين، فالقيم الأخلاقية فى أول ما نزل من القران الكريم مرتبطة بالسخاء والبخل.. وهى أمور يمكن أن ينظر اليها الغرب باعتبارها أشياء غير مفروضة أو من قبيل النوافل أو زائدة عما هو مطلوب من الانسان.Supererogation
_________________
(١) * (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ..) السورة ٨٣ (المطففين) . ** (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) ..) السورة ٧٠ (المعارج) . Bell،op.cit. (١٨) *** (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) ..) .
[ ١٥١ ]