وفى نصوص منقولة عن الزهرى اشارات متتالية الى مشاعر الخوف وما شابهها عند محمد ﷺ. ويمكن تمييز تجربتين خاضهما الرسول ﷺ. الأولى الخوف من تجربة الوحى، والثانية يأسه الذى أدى به الى التفكير فى الانتحار*.
أما الخوف من الاقتراب من عالم الغيب، Divine فله جذور عميقة فى الوعى لدى الشعوب السامية، وهناك شواهد على ذلك فى التوراة.
والروايات التى تذكر هذا تبدو معتمدة فى الأساس على شرح كلمات سورة المزمل:
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) ..) الخ، السورة ٧٣ (المزمل) .
وهذا يعنى أن المفسرين الذين أتوا بعد ذلك لم يكونوا يعتمدون فى عزوهم الخوف الى محمد ﷺ الا على النص القرانى. والانتقال المر بك بين (زملونى) و(المدثر) يبين أن تفسير (المزمل) لم يكن فى الأساس مرتبطا بقصه اعلان محمد ﷺ لنبوته، وأن التفسير اعتمد- فقط- على السياق. ومن ناحية أخرى، فانه ان بدا طبيعيا لهؤلاء المفسرين المتأخرين زمنا أن يشرحوا (المزمل) بهذه الطريقة، فهذا الخوف من بداية الوحى لا بد وأن يكون قد انتشر (بين الناس)، وأن محمدا ﷺ نفسه قد شارك فى انتشاره. هذا كله ما يمكننا قوله.
_________________
(١) * تكررت فكرة الانتحار فى كلام المؤلف وهى فكرة مرفوضة تماما، فالرسول ﷺ لم يعرف اليأس وان كان يتطلع الى المزيد من المعرفة، وفى هذه الرحلة وجدت الدعوة الفردية وهى دعوة الأصفياء حول الرسول- (المراجع) . (زاد المعاد، ج ١، ص ٢٠) .
[ ١١٨ ]
والشعور باليأس يمكن أن يكون موازيا لما حدث لأنبياء العهد القديم، وما حدث فى حياة القديسين، فالقديسة تريزا (من أقيليا (Avelia كتبت تقول: «الكلمات، بتأثيراتها والتأكيدات التى تحويها تقنع الروح فى اللحظة أنها اتية من الرب، وعلى اية حال، ففى ذلك الوقت، الذى هو الان ماض، يظهر الشك، فيما اذا كانت هذه الكلمات تأتى من الشيطان أو من الخيال، رغم أنه عند سماع هذه الكلمات، لم يكن الانسان ليشك فى صدقها بحيث تكون- أى تريزا- مستعدة للموت دفاعا عنها» «٣٦» .
وعلى أية حال، ففكرة الانتحار يمكن- بشق النفس- عزوها الى محمد ﷺ، فمادام النبى لم يذكر ذلك عن نفسه فمن الصعب أن نعزوها اليه، فهذا تجاوز فى شرح سورة الضحى:
(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١» .
وأكثر من هذا، فان فترة اليأس قد تكون متلائمة مع الروايات التى تحدثنا عن (الفترة) وهى المدة التى انقطع فيها الوحى عن الرسول ﷺ.
وعلى هذا، فان ذلك يعطينا- فيما يبدو- بعض المعلومات الحقيقية عن محمد ﷺ.