وكانت عشيرة زهرة تبدو أكثر رخاء وازدهارا من العشيرتين السابقتين (تيم والمطلب)، وكان لبعض فروعها علاقات تجارية تعمقت بالزواج من عشيرة عبد شمس، فأم سعد بن أبى وقاص كانت حفيدة أمية بن عبد شمس. وكان عبد الرحمن بن عوف قبل أن يسلم قد تزوج من بنات عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وأخيه شيبة. ومرة أخرى نجد أن مخرمة بن نوفل من عشيرة زهرة كان واحدا من الزعماء الذين يقفون على قدم المساواة مع أبى سفيان صاحب القافلة التى ارتبط ذكرها بغزوة بدر. وكانت هذه العشيرة فى وضع غريب على الأقل منذ موقفها من زيارة محمد ﷺ للطائف (عندما طلب محمد ﷺ منها الحماية) وحتى بعد غزوة بدر، كان الزعيم الحليف هو الأخنس بن شريق*. وقد مات
_________________
(١) * يشير الى رفض ابن شريق حماية الرسول عند دخوله مكة بعد عودته حزينا من الطائف، وهذا نص ما أورده الطبرى، ج ١، ص ٥٥٥. «ثم قدم رسول الله ﷺ مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلاف وفراق دينه. الا قليلا مستضعفين ممن امن به. وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف مريدا مكة مر به بعض أهل مكة، فقال له رسول الله ﷺ: هل أنت مبلغ عنى رسالة أرسلك بها؟ فقال: نعم، قال:
[ ١٧٨ ]
الان الأسود بن عبد يغوث الذى كان فيما مضى* شخصية بارزة.
والشخص الأساسى الذى تحول للاسلام كان عبد الرحمن بن عوف (المقصود من عشيرة زهرة)، وكانت سنه وقت الهجرة ثلاثة وأربعين عاما وحقق شهرة كرجل أعمال ماهر، وهناك رجل مهم اخر أسلم مبكرا، وينتمى الى فرع اخر من العشيرة (بنو عبد مناف بن زهرة) وهو سعد ابن أبى وقاص الذى يقال أنه أسلم وهو فى السابعة عشرة من عمره، ووفقا لاحدى الروايات فان أبا بكر هو الذى أحضره الى النبى محمد ﷺ ولكن رواية أخرى تذكر أنه أتى محمدا ﷺ مع عثمان بن مظعون، ثم
_________________
(١) انت الأخنس بن شريق، فقال له: يقول لك محمد: هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالة ربى؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخنس: ان الحليف لا يجير على الصريح. قال فأتى النبى ﷺ فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت سهيل بن عمرو، فقل له: ان محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى؟ فأتاه فقال له ذلك قال: فقال ابن بنى عامر بن لؤى لا نجير على بنى كعب. قال: فرجع الى النبى ﷺ، فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عدى، فقال له: ان محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى؟ قال: نعم، فليدخل، قال: فرجع الرجل اليه، فأخبره، وأصبح المطعم بن عدى قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد فلما راه أبو جهل، قال: أمجير أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرنا من أجرت، فدخل النبى ﷺ مكة وأقام بها..» . وفى الوقت نفسه كان من رأى الأخنس بن شريق عدم الدخول فى حرب مع محمد ﷺ فى غزوة بدر، وفيما يلى نص ما أورده الطبرى، ج ٢، ص ٢٩: «.. فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى- وكان حليفا لبنى زهرة وهم بالجحفة: يا بنى زهرة، قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة ابن نوفل؛ وانما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بى جبنها وارجعوا، فانه لا حاجة بكم فى أن تخرجوا فى غير ضيعة؛ لا ما يقول هذا- يعنى أبا جهل- فرجعوا؛ فلم يشهدها زهرى واحد؛ وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقى من قريش بطن الا نفر منهم ناس، الا بنى عدى بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. ومضى القوم..» . (المترجم) . * أورد الطبرى (ج ١: ص ٥٤٤) فى هذا السياق: حدثنى محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدى: أن ناسا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث؛ فى نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا الى أبى طالب فنكلمه فيه؛ فلينصفنا منه، فيأمره فليكف عن شتم ألهتنا، وندعه والهه الذى يعبد؛ فانا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شىء فتعيرنا العرب؛ يقولون: تركوه؛ حتى اذا ما مات عمه تناولوه » .
[ ١٧٩ ]
احضر سعد أخويه تباعا ليعننوا اسلامهم امام الرسول: عامر بن أبى وقاص، وعمير بن أبى وقاص، وربما أحضر أيضا مسعود بن ربيعة ذلك الحليف الغامض (المقصود الذى لا نعرف عنه الكثير) . لكن الجدير بالملاحظة أنه كان لسعد بن أبى وقاص أخ اخر هو عتبة بن أبى وقاص، كان واحدا من أربعة تعاهدوا قبل غزوة أحد على قتل محمد ﷺ أو أن يقتلوا دونه. وقد يكون عبد الله بن مسعود، حليف بنى عبد الحارث بن زهرة وهو الفرع الذى منه عبد الرحمن- تبعه فى دخول الاسلام (أسلم بعده)، وربما يكون قد ذهب معلنا اسلامه بشكل مستقل (دون أن يصحبه أحد) .
ويقال انه قابل محمدا ﷺ وأبا بكر ﵁، بينما كان يرعى قطعان عقبة بن أبى معيط (من بنى أمية بن عبد شمس) . وهذا الوضع (رعى القطعان) قد يدل على أنه كان شابا ولا يدل بالضرورة على فقره، لأن سنه وقت الهجرة كانت أكثر قليلا من ثمانية وعشرين عاما، ولا بد أن صلته بعبد شمس لم تكن مغفلا عنها (أو كانت موضوعة فى الاعتبار) .
وقد حقق مكانة عالية فى الاسلام واعتبر على رأس مجموعة مكونة من أخيه عتبة وحفيد ابن أخيه وعبد الله بن شهاب، وقريبه عمير بن عبد عمرو ذى اليدين. ولم يكن الحليف خباب بن الأرت مرتبطا ارتباطا وثيقا بأى من الذين سبق ذكرهم. وكان رجلا فقيرا وكانت أمه خاتنة وكان هو حدادا. ومعنى ذلك أنه لم يكن فى جوار أحد (لم يكن فى حماية أحد) .
لقد عانى كثيرا نتيجة اسلامه. ويشترك المطلب بن أزهر وأخوه طليب مع عبد الرحمن بن عوف فى جد واحد*. وهذا، بالاضافة الى حقيقة أن أمهما كانت من بنى المطلب قد زاد من أهميتهما (أعطاهما ثقلا) . وكان المقداد بن عمرو- حليف الزعيم القديم الأسود بن عبد يغوث وابنه بالتبنى- فى الحبشة كواحد من المسلمين المهاجرين اليها، لكنه لم يغادر المكيين الا بعد الهجرة ببعض الوقت، وان كان ذلك على أية حال قبل غزوة بدر «١٠»، وربما كان غنيا ويقال انه كان يمتلك فى غزوة بدر
_________________
(١) * هذا صحيح فهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة، وجد المطلب بن أزهر وأخيه طليب هو عبد عوف. (الطبقات الكبرى لابن سعد، ج ٢، ص ١٢٧. ج ٣، ص ٨٧) طبعة دار الفكر- (المترجم) .
(٢) ابن هشام، ٤١٦.
[ ١٨٠ ]
حصانا. وكان شرحبيل منفصلا عن كل هؤلاء، وكان مرتبطا أكثر بسفيان بن معمر، وعشيرة جمح.