هناك روايات عديدة لحديث نزول الوحى بسورة العلق، ذكرت احداها فى الفقرة هـ المروية عن الزهرى. فى هذه الرواية نفهم قول محمد (﵊) «ما أقرأ» ردا على قول الملك «اقرأ» على أنه يعنى «لا أستطيع القراءة»، ويؤكد ذلك الرواية الاخرى التى تقول: «ما أنا بقارى» «٢٣» (لا أستطيع القراءة) وتمييز ابن هشام
_________________
(١) انظر القسم الخامس وكتاب Graces of Interior Prayer للمؤلف بولان، A.Poulain لندن ١٩٢٨، صفحة ٢٩٩.
(٢) البخارى، ٦٥، وسورة العلق (٩٦) .
[ ١١٢ ]
بين «ما اقرأ» و«ماذا اقرأ» حيث لا يعنى التعبير الأخير الا «ماذا سأقرأ»، وهذا المعنى أيضا هو المعنى الأكثر ملاءمة للتعبير «ما أقرأ» .
ويكاد يكون من المؤكد أن أهل الحديث المتأخرين قد تجنبوا المعنى الطبيعى لهذه ألكلمات ليعززوا ألاعتقاد بأن محمدا (﵊) لم يكن يستطيع الكتابة، وهذا الاعتقاد جزء من اثبات الطبيعة المعجزة للقران.
وتتطلب رواية الحديث عن عبد الله بن شداد فى شرح الطبرى «٢٤» .
اذا كان المتن صحيحا، ان تؤخذ كلمة «ما» بمعنى «ماذا» لأنها مسبوقة بحرف «الواو» *.
تنتمى كلمتا «قرأ» و«قران» الى مجموعة المفردات الدينية التى أدخلتها المسيحية فى شبه الجزيرة العربية، فكلمة قرأ تعنى «تلا بوقار نصا مقدسا»، وأما كلمة «قران» فهى الكلمة السريانية «كريانا queryana التى تعنى «القراءة» أو «درس من الكتاب المقدس» «٢٥» **.
ونستطيع أن نفترض أن الفعل «اقرأ» يعنى فى هذه السورة «اتل من الذاكرة»، أى ما قد بلغ اليه بأسلوب خارق للطبيعة. لمن يتلو محمد (﵊) وفى أية مناسبة؟ لم تناقش الأحاديث هذا السؤال بوضوح. والتفسير الأكثر ملاءمة أن يتلو محمد (﵊) ما أتاه كجزء من صلاته لله (﷿) . وهذا المعنى يطابق الاستخدام السريانى للكلمة كما يؤكده أن المسلمين لا زالوا يقرؤن سورة أو سورا فى صلاتهم أو عبادتهم. ويلاحظ فى رواية عبد الله
_________________
(١) الجزء ٣٠، الصفحة ١٣٩، وتختلف قليلا عما ورد فى الحوليات، الجزء ١، الصفحة ١١٤٨. (المؤلف) . * ان واو العطف هنا عطفت (ما) على كلمة تعنى (ماذا) وبالتالى أصبح معنى (ما) أيضا هو (ماذا) وجعل لها مقابلا انجليزيا هو.What ** اللغة العربية من ضمن مجموعة اللغات السامية، وهذا التشابه فى الكلمات من باب (المشترك) بين اللغات السامية ولا يعنى بالضرورة أن لغة أخذت من الاخرى، أما عن تأثير المسيحية واليهودية فى العرب قبل الاسلام فقد كان لكلا الدينين وجود. وكان بعض العرب على المسيحية أو اليهودية، وقد تعرض القران الكريم لهذه الأديان. Bell،Origin،٩٠ f.Noldeke -Schwally،i،٨٢. (٢٥)
[ ١١٣ ]
ابن شداد المشار اليها سابقا، أن الاجابة على السؤال: «ماذا أقرأ؟» لم تكن كما وردت فى معظم الروايات الاخرى «اقرأ باسم » وانما «بسم » فقط، هل يمكن أن يكون ذلك ارهاصا* بالبسملة؟
لا توجد اعتراضات ذات قيمة لما اتفق عليه العلماء المسلمون من أن هذه السورة هى أول ما أوحى من القران. ولا توجد ايات يمكنها أن تعارض سورة العلق بأية فرصة من النجاح «٢٦»، ومن الطبيعى أن نتوقع أن الأمر بالعبادة هو أول ما يأتى بالنظر الى الاتجاه العام للرسالة الأساسية للقران «٢٧» . وجه الأمر «اقرأ» الى محمد (﵊) واحده، وبالرغم من أنه لا توجد صعوبة فى أن يتسع الأمر ليشمل أتباعه الذين يقتدون به، الا أننا نستطيع أن نتصور أن مبدأ وجود أتباع له لم يخطر بباله عندما أوحيت اليه هذه السورة، أى أنها قد تنتمى الى مرحلة سبقت دعوته للاخرين. كما لا نستبعد، بالطبع، امكان تلقى محمد (﵊) لرسائل أخرى لم يعتبرها من القران، مثل «أنت رسول الله» التى وردت فى الحديث.