فصل
حكمه فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ لِعَدُوِّهِ وَفِي رُسُلِهِمْ أَنْ لَا يُقْتَلُوا وَلَا يُحْبَسُوا، وَفِي النَّبْذِ إِلَى مَنْ عَاهَدَهُ عَلَى سَوَاءٍ إِذَا خَافَ مِنْهُ النقض ثبت أنه قال لرسولي مسيلمة لَمَّا قَالَا: نَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. «لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقتل لَقَتَلْتُكُمَا» وَثَبَتَ عَنْهُ أنه قال لأبي رافع وقد أرسلته قريش إليه وأراد أن لا يرجع، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ البرد، ولكن ارجع إلى قومك، ولم يرد النساء، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِيهَا الْآنَ، فارجع» .
وثبت أنه رد إليهم أبا جندل، وجاءت سُبَيْعَةُ الأسلمية فخرج
[ ٢٠٣ ]
زوجها في طلبها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٠] (١) فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا إِلَّا الرَّغْبَةُ فِي الإسلام، وأنها لم تخرج بحدث أَحْدَثَتْهُ فِي قَوْمِهَا، وَلَا بُغْضًا لَزَوْجِهَا، فَحَلَفَتْ فأعطى زوجها مهرها، ولم يردها عليه.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٨] (٢) .
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَحُلَّنَّ عَقْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ، حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ ينبذه إليهم على سواء» صححه الترمذي.
وثبت عنه أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَارَ رَجُلَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أم هانئ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أجار أبا العاص لَمَّا أَجَارَتْهُ ابْنَتُهُ زينب، ثُمَّ قَالَ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ.»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» .
فَهَذِهِ أربع قضايا منها أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَهَذَا يمنع تولية الكفار شيئا من الولايات.
وقوله: يرد عليهم أقصاهم يوجب أن السرية إذا غنمت بقوة جيش الإسلام كانت الغنيمة لَهُمْ وَلِلْقَاصِي مِنَ الْجَيْشِ إِذْ بِقُوَّتِهِ غَنِمُوهَا، وَأَنَّ مَا صَارَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الفيء لِقَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ دَانِيَهِمْ.
وأخذ الجزية من نصارى نجران وأيلة من العرب ومن أهل دومة وأكثرهم عرب، وأخذها من أهل الكتاب باليمن وهم يهود، وأخذها من المجوس ولم يأخذها من مشركي العرب، قال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس.
وقالت طائفة: تؤخذ من الأمم كلهم أهل الكتاب بالقرآن، والمجوس بالسنة، ومن عداهم يلحق بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ شِرْكٍ لَا كِتَابَ لَهُمْ، فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جميع المشركين، وإنما لم يأخذها من مشركي العرب؛ لأنهم أسلموا كلهم قبل نزولها، ولا نسلّم أن كُفرَ عبدة الأوثان أغلظ من كفر المجوس، بل كفر المجوس أغلظ، فإن عبدة الأوثان مقرون بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ، ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم، ولا يَسْتَحِلُّونَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَكَانُوا عَلَى بقايا من دين إبراهيم، وكان له صحف وشريعة والمجوس لَا يُعْرَفُ عَنْهُمُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الأنبياء.
وكتب ﷺ إِلَى أَهْلِ هَجَرَ والملوك، يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية،
_________________
(١) سورة الممتحنة، الآية: ١٠.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٨.
[ ٢٠٤ ]
ولم يفرق بين العرب وغيرهم.
وأمر معاذا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ قيمته معافر، وهي ثياب باليمن، ثم زاد فيها عمر، فَجَعَلَهَا أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ضعف أهل اليمن، وعمر علم غنى أهل الشام، وثبت عنه أنه استباح غزو قريش من غير نبذ عهد إليهم لما عدت حلفاؤهم على حلفائه، فغدروا بهم، فرضيت قريش، وألحق ردأهم في ذلك بمباشرهم.