فصل وثبت أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، ونصف خيبر بين الغانمين، وعزل نصف خيبر لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ الناس، ولم يقسم مكة، فقالت طائفة: لأنها دار النّسك، فهي وقف من الله على عباده.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قسمتها، وبين وقفها لفعله - ﷺ - قَالُوا: وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ الْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا بَلِ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ، لِأَنَّ الله لم يحلها لغير هذه الأمة، وأحل لهم ديار الكفار وأرضهم، كقوله تعالى في ديار فرعون وقومه وأرضهم: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] (١) والنبي - ﷺ - قسم وترك، وعمرُ لم يقسم، بل ضرب عليها خراجا مستمرا لِلْمُقَاتِلَةِ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفَ الذي يمنع من نقل الملك، بل يجوز بيعها كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أنها تورث، ونص أحمد على جواز جعلها صداقا، والوقف إنما امتنع بيعه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبُطُونِ الموقوف عليهم، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فلا يبطل بالبيع، ونظيره بَيْعُ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدِ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا كما كان عند البائع.
ومنع - ﷺ - مِنْ إِقَامَةِ الْمُسْلِمِ بين المشركين إذا
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: ٥٩.
[ ١٢٨ ]
قدر على الهجرة وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ولِمَ؟ قَالَ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا»
وَقَالَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ.»
وَقَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.»
وَقَالَ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ﵇، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ ويحشرهم الله مع القردة والخنازير.»