فَصْلٌ
فِي حُكْمِهِ ﷺ في قسمة الأموال وهي ثلاثة: الزكاة، والغنيمة، والفيء.
فأما الزكاة والغنائم، فقد تقدم حكمها، وبيَّنا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْعِبُ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ، وأنه ربما وضعها في واحد.
وأما الفيء، فقسمه يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لهم: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة وَالْبَعِيرِ وَتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُودُونَهُ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ به خير مما ينقلبون به " وبعث إليه علي من اليمن بذهيبة، فقسمها بين أربعة نفر.
وفي " السنن " أنه وَضَعَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطلب وترك بني نوفل وعبد شمس وقال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ولم يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حظ الأنثيين، بل يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ فَيُزَوِّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِي مِنْهُ فقيرهم كفايته، والذي يدل عليه هديه أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزَّكَاةِ لا يَخْرُجُ بِهَا عَنِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا أَنَّهُ يقسمه بينهم كالميراث، ومن تأمل سيرته لم يشك في ذلك.
واختلف الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ هَلْ كَانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشَاءُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي تدل عليه
[ ٢٠١ ]
سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْأَمْرِ فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَقْسِمُهُ عَلَى مَنْ أمر بقسمته عليهم، لا تصرف المالك بإرادته ومشيئته، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكا رَسُولًا، فاختار العبودية، والفرق أَنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ لَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَمُرْسِلِهِ، والمَلِك الرَّسُولُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يُشَاءُ، وَيَمْنَعَ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمَانَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] (١) أَيْ: أَعْطِ مَنْ شِئْتَ، وَامْنَعْ مَنْ شئت لا نحاسبك، وهذه المرتبة التي عُرضت على نبينا، فَرَغِبَ عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا وهي مرتبة العبودية المحصنة، وقال: «والله إني لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت» ولهذا كان ينفق منه عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَمْوَالِ هُوَ السَّهْمُ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَهُ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ ما وقع إلى اليوم.
وأما الزكاة والغنائم وقسمة المواريث، فإنها معنية لِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا، فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مِنَ النِّزَاعِ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَلَوْلَا إِشْكَالُ أمره لَمَا طَلَبَتْ فاطمة بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ميراثها من تركته، وقد قال تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] (٢) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَا أَفَاءَ عَلَى رسوله بجملته لمن ذكر في هؤلاء الْآيَاتِ، وَلَمْ يَخُصَّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ، بَلْ عم وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ، وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ، ثُمَّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامَّةِ، وَهُمُ المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة.
فالذي عمل به هو وخلفاؤه هو المراد من الآيات، ولهذا قال عمر بن الخطاب فيما رواه أحمد وغيره عنه: «ما أحد بأحق بهذا المال من أحد، وما أنا بأحق به من أحد، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نَصِيبٌ إِلَّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٣٩.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧، ٩.
[ ٢٠٢ ]
مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَسَمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ وَغِنَاؤُهُ في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ» فَهَؤُلَاءِ الْمُسَمَّوْنَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ هُمُ الْمُسَمَّوْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وأتباعهم في آية الخمس لأنهم المستحقون بجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان خاص من الخمس، وعام من الْفَيْءِ، فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي النَّصِيبَيْنِ وَكَمَا أَنَّ قِسْمَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ بَيْنَ مَنْ جُعِلَ لَهُ، لَيْسَ قِسْمَةَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا المالكون، كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة الْمُطْلَقَةِ، بَلْ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالنَّفْعِ وَالْغِنَاءِ فِي الإسلام والبلاء فيه، فكذلك الْخُمُسِ فِي أَهْلِهِ، فَإِنَّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ فِي كتاب الله الخمس بين أهله، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إِدْخَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ بِحَالٍ، وأن الخمس لا يعدوهم إِلَى غَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْفَيْءَ الْعَامَّ فِي آيَةِ الْحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهَا لَا يَتَعَدَّاهُمْ إِلَى غيرهم، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْخُمُسِ هُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ وَعَيَّنَهُمُ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ، وَتَقْدِيمًا لَهُمْ، وَلِمَّا كَانَتِ الْغَنَائِمُ خَاصَّةً بِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ نَصَّ عَلَى خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَلَمَّا كَانَ الْفَيْءُ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ دُونَ أحد جعله لَهُمْ، وَلِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَابِعِيهِمْ، فَسَوَّى بَيْنَ الْخُمُسِ والفيء فِي الْمَصْرِفِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ سَهْمَ اللَّهِ وَسَهْمَهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهَا مقدما للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج.