فصل ولما دعا إلى الله، اسْتَجَابَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فكان حائز قصب سبقهم صديق الأمة أبو بكر، فَآزَرَهُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَدَعَا مَعَهُ إِلَى الله، فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد. وبادرت إلى الاستجابة صديقة النساء خديجة، وَقَامَتْ بِأَعْبَاءِ الصِّدِّيقِيِّةِ، وَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ خَشِيتُ على نفسي»، فقالت: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. ثُمَّ استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها، أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، لا تناسب الخزي. وبهذا العقل استحقت أن يرسل إليها ربها السلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد ﵉. وَبَادَرَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وهو ابن ثمان سنين، وقيل أكثر، وَكَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أخذه من عمه إِعَانَةً لَهُ فِي سَنَةِ مَحْلٍ. وَبَادَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكان غلاما لخديجة، فوهبته له، وجاء أبوه وعمه في فدائه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَهَلَّا غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَدْعُوهُ فَأُخَيِّرُهُ، فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا، قَالَا: قَدْ رَدَدْتَنَا عَلَى النصف وأحسنت. فدعاه، فخيره، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا. قالا: وَيْحَكَ يَا زيد، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وعلى أهل بيتك؟ قال: نعم؛ لقد رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ زيدا ابني، أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك طابت أنفسهما
[ ١٠٠ ]
وانصرفا» . وَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بالإسلام، فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥] (١) فَدُعِيَ مِنْ يَوْمِئِذٍ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. قال معمر عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا أَسْلَمَ قَبْلَ زيد. وأسلم ورقة بن نوفل، وَفِي " جَامِعِ الترمذي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي هيئة حسنة» . ودخل الناس في دين الله وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَقُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُ ذَلِكَ حتى بادأهم بعيب دينهم، وسب آلهتهم، فَحِينَئِذٍ شَمَّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ، فحمى الله رسوله بأبي طالب؛ لأنه كان شريفا معظما فيهم، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمَّلَهَا. وَأَمَّا أَصْحَابُهُ، فَمَنْ كانت له عشيرة تحميه امتنع بهم، وسائرهم تصدوا له بالعذاب، ومنهم عمار وأمه وأهل بيته، فإنهم عُذِّبُوا فِي اللَّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِهِمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ يَقُولُ: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ موعدكم الجنة» . ومنهم بلال، فإنه عذب في الله أشد العذاب، هان عليهم، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ، وَكَانَ كُلَّمَا اشتد به الْعَذَابُ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَمُرُّ بِهِ ورقة بن نوفل، فَيَقُولُ: إِي وَاللَّهِ يَا بلال أَحَدٌ أَحَدٌ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَتَّخِذَنَّهُ حنانا. ولما اشتد أذاهم على المؤمنين، وفتن منهم من فتن، أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الْأُولَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هاجر إليها عثمان ومعه زوجته رقية بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانوا اثنى عشر رجلا وأربع نسوة، خرجوا مُتَسَلِّلِينَ سِرًّا، فَوَفَّقَ اللَّهُ لَهُمْ سَاعَةَ وُصُولِهِمْ إلى الساحل سفينتين، فحملوهم، وكان مخرجهم في رجب من السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثارهم حتى جاءوا ساحل البحر، فلم يدركوهم، ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ كَفُّوا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا دون مكة بساعة، بلغهم أنهم أشد ما كانوا عداوة، فدخل من دخل منهم بِجِوَارٍ. وَفِي تِلْكَ الْمَرَّةِ «دَخَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصلاة، فلم يرد عليه»، هذا هو الصواب، كذا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.
[ ١٠١ ]
لَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا، وكان مِمَّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ بَدْرًا - وَأُحُدًا، فَذَكَرَ مِنْهُمْ ابن مسعود. وحديث زيد بن أرقم أجيب عنه بجوابين: أحدهما: أن النهي ثَبَتَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ نهي عنه. الثاني: أن زيدا مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ، فلما بلغهم انتهوا. ثُمَّ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ قدم من الحبشة وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم، فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، فكان خروجهم الثاني أشق عليهم، ولقوا من قريش أذى شديدا، وَصَعُبَ عَلَيْهِمْ مَا بَلَغَهُمْ عَنِ النَّجَاشِيِّ مِنْ حسن جواره لهم. فكان عدة من هاجر فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا إِنْ كان عمار بن ياسر فيهم، وَمِنَ النِّسَاءِ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، قُلْتُ: قَدْ ذكر في هذه الثانية عثمان وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وهما، وإما أن تكون لَهُمْ قَدْمَةٌ أُخْرَى قَبْلَ بَدْرٍ، فَيَكُونُ لَهُمْ ثلاث قدمات؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابن سعد وَغَيْرُهُ: إِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا مُهَاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثمان، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوِّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الهجرة كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية، فأسلم، وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيته، وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة، وكانت فيمن هاجر مَعَ زَوْجِهَا عبيد الله بن جحش، فَتَنَصَّرَ هناك، ومات نصرانيا، فَزَوَّجَهُ النَّجَاشِيُّ إِيَّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ تَزْوِيجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بقي عنده من أصحابه، ويحملهم، فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بخيبر، فوجدوه قد فتحها. وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم، ويكون تخريج الكلام بالمدينة، فإن قيل: فما أحسنه لولا أن ابن إسحاق قد قال ما حكيته عنه أن ابن مسعود أقام بمكة. قيل: قد ذكر
[ ١٠٢ ]
ابن سعد أنه أقام بمكة يسيرا، ثم رجع إلى الحبشة، وهذا هو الأظهر؛ لأنه لم يكن له بمكة من يحميه، فتضمن هذا زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لم يذكر من حدثه، وابن سعد أسنده إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فزال الإشكال ولله الحمد. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ أبا موسى الأشعري، وأنكر هذا عليه الواقدي وغيره، وقالوا: كيف يخفى هذا على من دونه فضلا عنه؟ قلت: ليس هذا مما يخفى علي من دونه فَضْلًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَشَأَ الْوَهْمُ أَنَّ أبا موسى هاجر من اليمن إلى عند جعفر وأصحابه، ثم قدم معهم، فعد ابن إسحاق ذلك لأبي موسى هِجْرَةً، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ هَاجَرَ من مكة لينكر عليه.