فصل فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بلغه - ﷺ - خَبَرُ الْعِيرِ الْمُقْبِلَةِ من الشام، فندب للخروج إليها ولم يحتفل لها، لِأَنَّهُ خَرَجَ مُسْرِعًا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رجلا معهم فرسان على سبعين بعير، يعتقبونها، وبلغ الصريخ مكة، فخرجوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] (٥) فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٦) الآية، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خروجهم اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ.
فَتَكَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ، فَأَحْسَنُوا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ ثانيا، فتكلم المهاجرون، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ ثَالِثًا، فَفَهِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فبادر سعد بن معاذ، فتكلم بكلامه المشهور، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ ! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا. وقال المقداد كلامه المشهور، فسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بما سمع من
_________________
(١) سورة البروج، الآية: ١٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٥٣.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٥٥.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٤٩.
(٥) سورة الأنفال، الآية: ٤٧.
(٦) سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
[ ١٤٠ ]
أصحابه وقال: «سيروا، وأبشروا، فإن الله وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ القوم» .
فسار إلى بدر، فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قام ورفع يديه، واستنصر ربه، واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] قُرِئَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، فَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنَّهُمْ ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضا لم يأتوا دفعة واحدة، فإن قيل: هنا ذكر ألفا، وفي (آل عمران) بثلاثة آلاف وبخمسة، قيل: فيه قولان:
أحدهما: أنه يوم أُحد، وهو معلق على شرط، ففات وفات الإمداد.
والثاني: يوم بدر، وحجته أن السياق يدل عليه، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٤] الآية إلى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (١) . فلما استغاثوه أمدهم بألف، ثم بثلاثة، ثم بخمسة، وكان متابعة الْإِمْدَادِ أَحْسَنَ مَوْقِعًا وَأَقْوَى لِنُفُوسِهِمْ، وأسرَّ لَهَا.
وقال أهل القول الأول: القصة في سياق أُحد، ودخول بدر اعتراض، فذكرهم نعمته ببدر، ثُمَّ عَادَ إِلَى قِصَّةِ أُحد، وَأَخْبَرَ عَنْ قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآية، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أن يمدهم بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِهِ، وَالْإِمْدَادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى، وَهَذَا بِخَمْسَةِ آلَافٍ، وَإِمْدَادُ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، وَهَذَا مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَذَلِكَ مُطْلَقٌ، وَالْقِصَّةُ فِي سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) هِيَ قِصَّةُ أُحد مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوَّلَةٌ، وَبَدْرٌ ذكرت فيها اعتراضا، وفي (الْأَنْفَالِ) قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوَّلَةٌ، فَالسِّيَاقُ فِي (آلِ عِمْرَانَ) غَيْرُ السِّيَاقِ فِي (الْأَنْفَالِ) يُوَضِّحُ هذا هنا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قال مجاهد: يَوْمُ أُحد، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِمْدَادُ الْمَذْكُورُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِمْدَادَ بهذا العدد كان يوم بدر، والإتيان من فورهم يوم أحد.
ولما عزمت قريش عَلَى الْخُرُوجِ، ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي كِنَانَةَ مِنَ الْحَرْبِ، فَتَبَدَّى لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صورة سُراقة بن مالك، وقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] (٢)
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٣: ١٢٦.
(٢) سورة الأنفال، الآية ٤٨.
[ ١٤١ ]
أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فلما تعبوا للقتال ورأى جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَرَّ، وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالُوا: إِلَى أَيْنَ يَا سراقة، أَلَمْ تَكُنْ قُلْتَ إِنَّكَ جَارٌ لَنَا؟ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقيل: خاف أن يهلك معهم وهو أَظْهَرُ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ، وَكَثْرَةَ أَعْدَائِهِ، ظَنُّوا أن الغلبة بالكثرة، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤٩] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ النَّصْرَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا بالكثرة ولا بالعدد، وأنه عزيز لا يغلب حكيم ينصر المستحق وإن كان ضعيفا.
وَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - من شأن بدر والأسرى في شوال، ثم نهض صلوات الله عليه بنفسه بَعْدَ فَرَاغِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ إِلَى غَزْوِ بَنِي سليم، فَبَلَغَ مَاءً يُقَالُ لَهُ: الكُدر، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثلاثا، ثم انصرف.
ولما رجع فل المشركين إلى مكة نذر أبو سفيان ألا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ حَتَّى يَغْزُوَ رَسُولَ اللَّهِ، فخرج في مائتي راكب حتى بلغ طرف المدينة، وبات ليلة عند سلام بن مشكم، فسقاه الخمر، وبطن له خَبَرِ النَّاسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَطَعَ أَصْوَارًا مِنَ النَّخْلِ، وَقَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في طلبه ففاته، وطرح الكفار سويقا كثيرا يَتَخَفَّفُونَ بِهِ، فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ فسُمِّيت غَزْوَةَ السَّوِيقِ.
ثم غزا نجدا يريد غطفان، فأقام هناك صفرا كله من السنة الثانية، ثم انصرف ولم يلق حربا، فأقام في المدينة ربيع الأول، ثم خرج يريد قريشا، فبلغ نجران، معدنا بالحجاز، فلم يلق حربا، فأقام هناك ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم انصرف.
ثم غزا بني قينقاع، ثم قتل كعب بن الأشرف، وأذن فِي قَتْلِ مَنْ وُجد مِنَ الْيَهُودِ لِنَقْضِهِمْ العهد، ومحاربتهم الله ورسوله.
ولما قتل الله أشراف قريش ببدر ورأس فيهم أبو سفيان، جمّع الجموع وأقبل بهم إلى المدينة، فنزل قريبا من أُحد، وكانت وقعة أُحد المشهورة، وَاسْتَعْرَضَ الشَّبَابَ يَوْمَئِذٍ، فَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القتال، منهم ابن عمر، وأسامة، وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وأجاز من رآه مطيقا، مِنْهُمْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَلَهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقِيلَ: أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِبُلُوغِهِ بِالسِّنِّ
[ ١٤٢ ]
خمس عشرة سنة، ورد من رده لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: أجازهم لطاقتهم، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا رآني مطيقا أجازني.
ثم ذكر قصة الأصيرم، وكلام أبي سفيان على الجبل، وهي ما روى البخاري في " صحيحه " عن البراء بن عازب -﵄ - قال: «أشرف أبو سفيان، قال: أفي القوم محمد؟ فقال ﷺ: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوءك.
قال أبو سفيان: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أجيبوه، قالوا: مَا نُقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النبي ﷺ: أجيبوه، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا ولا مولى لكم. قَالَ أبو سفيان: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجال، فأجابه عمر: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النار، ثم قال أبو سفيان: وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
»