فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ أقضيته وأحكامه وَلَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ وإن كانت أقضيته الخاصة عامة، وإنما الغرض ذكر هديه في الأحكام الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، ونذكر معها قضايا من أحكامه الكلية، فثبت عنه أنه حبس في تهمة، ففي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَنَفَاهُ سَنَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَمْ يقده به» .
ولأحمد عن أنس عن سمرة مرفوعا: «من قتل عبده قتلناه» فإن كان محفوظا كَانَ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا إِلَى الْإِمَامِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
وَأَمَرَ رَجُلًا بِمُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ، كما ذكره أبو داود.
وروي عن أبي عبيد «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بقتل القاتل،
[ ١٩٨ ]
وصبر الصابر» قال أبو عبيد: أي: يحبسه حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنِّفِهِ " عَنْ علي: يُحْبَسُ الْمُمْسَكُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يموت. وحكم في العرنيين بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَسَمْلِ أَعْيُنِهِمْ، كَمَا سَمَلُوا أعين الراعاة، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا جُوعًا وَعَطَشًا، كَمَا فَعَلُوا بالراعي.
وفي " صحيح مسلم «أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ، فَاعْتَرَفَ، فَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ، فَقَالَ ﷺ: أما تريد أن تبوء بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ فَقَالَ: بَلَى. فَخَلَّى سَبِيلَهُ» .
وَفِي قَوْلِهِ: " فَهُوَ مِثْلُهُ " قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قِيدَ مِنْهُ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، فصار هو والمستفيد بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ: " إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْرِيضُ لِصَاحِبِ الحق بترك القود والعفو، وقيل: إن كان لم يرد قتله فقتله به، فهو متعمد مِثْلَهُ إِذْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَعَدِّيًا بِالْجِنَايَةِ، وَالْمُقْتَصُّ مُتَّعَدٍ بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْقَتْلَ.
وَيَدُلُّ على هذا التأويل ما روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: «والله يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْوَلِيِّ: " أما إنه إن كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ» فَخَلَّى سبيله، وحكم في يهودي رضَّ رأس جارية بين حجرين أن يرضَّ رأسه بين حجرين.
وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة، وأن الْجَانِيَ يُفْعَل بِهِ كَمَا فَعَل، وَأَنَّ الْقَتْلَ غِيلَةً لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ الْوَلِيِّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَدْفَعْهُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْفُوا عَنْهُ، بَلْ قَتَلَهُ حَتْمًا، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية ومن قال: إنه فعله لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّ نَاقِضَ الْعَهْدِ لا يرضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف، وقضى في امرأة رمت أخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فِي الْجَنِينِ، وَجَعَلَ دية المقتولة على عصبة القاتل، وهو في " الصحيحين ".
وفي البخاري أنه قضى في جنين امرأة بغرة عبد أو وليدة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَفِي هَذَا الْحُكْمِ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ لا قيود فيه، وَأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ تَبَعًا لِلدِّيَةِ، وَأَنَّ العاقلة
[ ١٩٩ ]
هُمُ الْعَصَبَةُ، وَأَنَّ زَوْجَ الْقَاتِلَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ، وَأَنَّ أَوْلَادَهَا أَيْضًا لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ، وحكم فيمن تزوج امرأة أبيه بقتله، وأخذ ماله، وهو مذهب أحمد، وهو الصحيح، وقال الثلاثة: حده حد الزاني، وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أولى وأحق، وحكم فيمن اطلع في بيته رَجُلٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، أَوْ عُودٍ، ففقأ عينه أن لا شيء عليه.
وثبت عنه أَنَّهُ قَضَى بِإِهْدَارِ دَمِ أُمِّ وَلَدِ الْأَعْمَى لما قتلها مولاها على سبه ﷺ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ عَلَى سَبِّهِ وَأَذَاهُ. قال أبو بكر لأبي برزة لما أراد قتل من سبه: ليست لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وفي ذلك بضعة عشر حديثا بين صحاح وحسان ومشاهير. قال مجاهد عن ابن عباس: «أيما مسلم سب الله، أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَذَّبَ رسول اللَّهِ ﷺ» وَهِيَ رِدَّةٌ يستتاب صاحبها، فإن رجع وإلا قُتل.
وفي " الصحيحين " أنه عفا عمن سمه ﷺ.
وصح عنه أنه لم يقتل من سحره من اليهود، وصح عن عمر وحفصة وجندب قتل الساحر، وصح عنه في الأسرى أنه قتل بعضا وفادى بعضا، ومنَّ على بعض، واسترقَّ بعضا، لكن لم يعرف أنه استرق بالغا، وهذه أحكام لم تنسخ، بل مخير فيها الإمام بحسب المصلحة، وَحَكَمَ فِي الْيَهُودِ بِعِدَّةِ قَضَايَا، فَعَاهَدَهُمْ أَوَّلَ مقدمه المدينة، ثم حاربته قينقاع فظفر بهم، ومن عليهم، ثم النضير، فظفر بهم فأجلاهم، ثم قريظة فقتلهم، ثم حارب أهل خيبر فظفر بهم.