فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في آداب السفر صح عنه أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ ركعتين» . الحديث (١) فعوض أمته بهذا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ، وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي نَظِيرُهُ هَذِهِ الْقُرْعَةُ التي يَفْعَلُهَا إِخْوَانُ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ بِهَا عِلْمَ مَا قسم لهم في الغيب؛ ولهذا سمي استقساما، فعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وتوكل، وسؤال للذي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السيئات إلا هو -عن التطير والتنجيم واختيار المطالع ونحوه، فهذا الدعاء هو طالع أهل السعادة، لا طالع أهل الشرك ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] (٢) . وتضمن الإقرار بصفات كماله، والإقرار بربوبيته، والتوكل عليه، واعتراف العبد بعجزه عن العلم بمصالح نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها. ولأحمد عن سعد مرفوعا: «إن من سعادة ابن آدم استخارة الله، والرضى بما قضى الله، وإن من شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ، وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ» . فَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَقَعَ الْمَقْدُورُ مُكْتَنِفًا بِأَمْرَيْنِ: التَّوَكُّلِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الِاسْتِخَارَةِ قبله، والرضى بما يقضي الله بعده. «وَكَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كنا
_________________
(١) هو في " صحيح البخاري " ٣ / ٤٠ في التهجد: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، من حديث جابر ﵁، فانظره بتمامه فيه.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٩٦.
[ ٨٧ ]
لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ يقول: اللهم إني أسألك في سفري هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهم هون علينا السفر، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سفرنا، واخلفنا في أهلنا. وكان إذا رجع قال: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (١) . وَذَكَرَ أحمد عنه «أنه إذا دخل البلد قال: توبا، لربنا أوبا، لا يغادر حوبا.» «وَكَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ لِرُكُوبِ دَابَّتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظهرها قال: الحمد لله، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وما كنا له مقرنين.» وَكَانَ إِذَا وَدَّعَ أَصْحَابَهُ فِي السَّفَرِ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» . «وقال له رجل: إني أريد سفرا. قال: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» . «وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلَوُا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.» وَقَالَ أنس: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَلَا شَرَفًا مِنَ الْأَرْضِ أَوْ نَشْزًا قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الشَّرَفُ عَلَى كُلِّ شرف، ولك الحمد على كل حال.» وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» (٢) . وَكَانَ يَكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ وَحْدَهُ أن يسير بالليل، وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ وَحْدَهُ بِلَيْلٍ» . بَلْ كَانَ يَكْرَهُ السفر للواحد، وأخبر أن «الواحد شيطان والاثنين شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شيء حتى يرتحل منه» (٣) . وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الإبل حقها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطرق، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» . «وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ»، «وَكَانَ يَنْهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَوْ مَسَافَةَ بَرِيدٍ» (٤) «ويأمر الْمُسَافِرَ إِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ أَنْ يعجل الرجوع إلى
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه مسلم.
(٤) متفق عليه.
[ ٨٨ ]
أهله» (١) «وينهى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا» (٢) إِذَا طَالَتْ غيبته عنهم، وإذا قدم من سفر تلقي بالولدان من أهل بيته، «وكان يعتنق القادم من السفر، ويقبله إذا كان من أهله» . قال الشعبي: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا، «وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فيه ركعتين» (٣) .
فصل ثبت عنه أنه علمهم خطبة الحاجة: «إن الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ من شرور أنفسنا» - وفي لفظ - «ومن سيئات أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الثلاث الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (٤) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] (٥) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٧٠ - ٧١] (٦) .» قَالَ شعبة: قُلْتُ لأبي إسحاق: هَذِهِ في خطبه النكاح أو في غيره؟ قال: في كل حاجة. وقال: «إذا قاد أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً، فَلْيَأْخُذْ بناصيتها، وليدع الله بالبركة، وليسم اللَّهَ ﷿، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ» (٧) . وَكَانَ يَقُولُ لِلْمُتَزَوِّجِ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وجمع بينكما في خير» (٨) . وصح عنه أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنًا مَا كان» (٩) .
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) ١٠٢ آل عمران.
(٥) سورة النساء، الآية: ١.
(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٧٠، ٧١.
(٧) سنن أبي داود بأسانيد صحيحة.
(٨) قال الترمذي: حسن صحيح.
(٩) رواه الترمذي.
[ ٨٩ ]
وذكر عنه أَنَّهُ ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدَّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَيْتَ مِنَ الطِّيَرَةِ مَا تَكْرَهُ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
فصل وصح عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شيئا، فلينفث عن يساره، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، ولا يخبر بها أحدا، فإن رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» . وَأَمَرَ مَنْ رَأَى مَا يكره أن يتحول من جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَأَمَرَهُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يَنْفُثَ عَنْ يَسَارِهِ، وأن يستعيذ بالله من الشيطان، ولا يُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا، وَأَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الذي كان عليه، وأن يقوم يصلي، وَقَالَ: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ، وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا على واد أو ذي رأي» . ويذكر عنه أنه كان يقول للرائي: «خيرا رأيت» . ثم يعبرها.