فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ ﷺ في الأضاحي، فإنه لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الْأُضْحِيَّةَ، وَكَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ ينحرهما بعد الصلاة، وأخبر أن من ذبح قبلها، فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لحم قدمه لأهله هذا الذي ندين لله به، لا الاعتبار بوقت الصلاة، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّ مما سواه، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذبح»، ولكنه منقطع، وهو مذهب عطاء والحسن والشافعي، واختاره ابن المنذر. وكان من هديه اخْتِيَارُ الْأُضْحِيَّةِ، وَاسْتِحْسَانُهَا، وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ، وَنَهَى عن أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، أي مقطوع الأذن ومكسور الْقَرْنِ -النِّصْفُ فَمَا زَادَ - ذَكَرَهُ أبو داود. وَأَمَرَ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ، أَيْ يُنْظَرُ إلى سلامتها. ولا يُضَحَّى بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شرقاء، ولا خرقاء. والمقابلة: الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابَرَةُ: الَّتِي قُطِعَ مُؤَخَّرُ أُذُنِهَا، وَالشَّرْقَاءُ: الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا، وَالْخَرْقَاءُ: التي خرقت أذنها، ذكره أبو داود.
وكان من هديه أن يضحي بالمصلى، وذكر أبو داود عن جابر أَنَّهُ ذَبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فطر السماوات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ ذَبَحَ، وَأَمَرَ الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا الذبحة، وَإِذَا قَتَلُوا أَنْ يُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . ومن هديه أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بيته.
[ ٦٧ ]